Monday, 13 February 2017

Abd al-Majid Bob has died

Another Sudanese communist of calibre and friend passed away this Friday, Abd al-Majid Bob. Losses abound and friends are few. Rest in peace ya Majid.

Monday, 16 January 2017

حوار مع جريدة التيار

هذا النص الكامل لحوار مع جريدة التيار منشور في عدد اليوم ١٦ يناير ٢٠١٧، اختار المحرر أن يستبعد بعض فقراته لضيق الحيز أو كما قال. 

س. بدءا، كيف تقيم الأوضاع التي آلت اليها البلاد بعد وأد الديمقراطية الثالثة؟

سؤالك يتضمن الاعتقاد أن انقلاب الجبهة الاسلامية في ١٩٨٩ مثل انقطاعا مع النظام السياسي البرلماني الذي نجم عن الانتفاضة ضد حكم جعفر نميري، وهو افتراض يصح لدرجة التحول من حكم برلماني إلى حكم سلطوي عسكري. لكن إن نظرت أبعد من ذلك قليلا، وهو زعم قد يستغربه الكثيرون، ستجد أن الانقلاب يفقد دلالة الانقطاع هذه عند اختبار محتواه الطبقي والاجتماعي.

 ج. ممن نزعت السلطة إذن في ١٩٨٩ ولمن آلت؟

بأي حال، لم تنزع من قوى الانتفاضة، القوى الجماهيرية التي خرجت من أطراف الخرطوم لتطيح بعرش نميري. فهذه لم تجد للسلطة طريقا بعد أن استأثرت بالقيادة العناصر المهنية النقابية من البرجوازية الصغيرة التي بدورها وجدت نفسها خارج دائرة النفوذ تماما وقد أسلمت الأمر والنهي للمجلس العسكري، أي أنها فشلت في تحقيق أهداف الانتفاضة التي نهضت لها الجماهير الشعبية وفضلت المساومة مع المجلس العسكري، أي فئة الضباط ذات نفس المنشأ الطبقي، على حلف هذه الجماهير غير مضمون العواقب. 

س. من فاز إذن؟

فاز الجيش الذي ظل محتفظا بالحصانة من جنس المساءلة التي خضع لها جهاز الأمن القومي، بل ربما جاز أن المجلس العسكري وافق راغبا على مطالبة الجماهير بحل جهاز الأمن نظرا للحزازة الناشبة بين المؤسستين خاصة بعد عزل نميري للفريق عبد الماجد حامد خليل في ١٩٨١ وتعيين رئيس جهاز أمن الدولة اللواء عمر محمد الطيب في موقع نائب الرئيس بدلا عنه. يذكر طبعا أن عبد الماجد عاد وزيرا للدفاع في حكومة الصادق المهدي، لا سدنة ولا يحزنون! فاز مؤقتا الحزبان الأمة والاتحادي، ثم فازت الجبهة الاسلامية بالضربة القاضية في ١٩٨٩. لماذا؟ في هذا الخصوص يجوز الاسترسال في تكنولوجيا الحكم تحت الحكم الوطني إذا جاز التعبير. ورثت البرجوازية الصغيرة، في عبارة جون قرنق الصفوة البيروقراطية المتبرجزة، طرفا من السلطة السياسية كحليف أصغر للقيادات الطائفية من كبار الملاك الزراعيين والبرجوازية التجارية، ولم ترض بطبيعة الحال بحكم موقعها الأثير في جهاز الدولة بهذه القسمة فكان مسعاها التحرر من هذه العلاقة القابضة في صور مختلفة، أولها ربما التناقض بين صفوة الخريجين والختمية الذى انتهى إلى انقسام الوطني الاتحادي واستقلال قيادة الختمية بحزب يخصها، وأهما بطبيعة الحال اتصال النسب الطبقي في صور تنظيمية بين الصفوة المدنية والصفوة العسكرية - ضباط الجيش، أو خريجي كلية غردون وخريجي الكلية الحربية. بل يمكن القول أن مساهمة البرجوازية الصغيرة الأساسية في تكنولوجيا الحكم في بلادنا كانت اختراع “الانقلاب الثوري”، وفيه يقوم العسكريون بالانقلاب ويرتجل المدنيون ثورة من عل لا يعكر نقاءها التخليط الجماهيري، خاصة وأي تخليط فعال قد يحمل في طياته انقلابا على علاقات القوى التي تحفظ للبرجوازية الصغيرة من “أولاد البلد” موقعها المتميز في جهاز الدولة. شخص عبد المرحوم عبد الخالق محجوب نزعة حرق المراحل هذه في إطار صراعه مع البرجوازية الصغيرة في الحزب الشيوعي وقال ستفضي إلى طريق من الآلام والشرور، وقد كان. بحكم تذبذبها الشهير توزعت البرجوازية الصغيرة في ولاءاتها الآيديولوجية، يسارية، قومية عربية واسلامية وخلافه. لكن، اشتركت جميع فئاتها في عقيدة الانقلاب، إذ لا طريق يصل بها إلى السلطة سواه فصناديق الانتخابات تفرض عليها سلطة القيادات الطائفية وطريق “العمل الجماهيري الصبور والدؤوب” طويل وغير مضمون العواقب. 

س. ماذا حدث في ١٩٨٩ إذن؟

ج. هاجرت فئات واسعة من البرجوازية الصغيرة إلى الجبهة الاسلامية، التي غدت وقت عقدت صلحها مع جعفر نميري حزب هذه الطبقة الاجتماعية بامتياز. لم يعد الحلف مع القيادات الطائفية يكفيها كما لم تعد تجذبها الآيديولوجيات التي راجت في عصر التحرر الوطني، الاشتراكيات بتخريجاتها القومية العربية والناصرية وكذلك الشيوعية الأممية. يطول شرح أسباب هذه التحول لكن بعض ذلك ربما تحول طموحات فئات واسعة من هذه الطبقة الاجتماعية من ميري السودان فقير الخزائن إلي سوق العمل الخليجي. بانقلاب ١٩٨٩ استأثرت هذه الفئات من البرجوازية الصغيرة بالسلطة السياسية صافية لنفسها، لا يشقها سوى الحلف المتوتر بين المدنيين والعسكريين والذي انتهى كما هو متوقع بغلبة العسكريين وتضعضع المؤتمر الوطني إلى حزب بيد الرئيس. ما تبع ذلك يقرأ بالإشارة إلى هذا الموقع الطبقي فقد أخذت هذه الفئات تصنع دولة على صورتها، بما في ذلك تدهور الاقتصاد الريفي والاعتماد شبه الكلي على الريع، إن كان ريع البترول أو الذهب أو الأرض، فالبرجوازية الصغيرة تشغل موقعا ثانويا في عملية الإنتاج لا هي تزرع وهي لا هي تصنع لكنها تأكل وتلبس!  

س.  في السياسات التي انتهجتها حكومة الانقاذ منذ 27 عام هي العمل علي تفكيك وضعضعة القوي الاجتماعية هل هنالك قوة إجتماعية معينة يمكنها أن تحدث التغير الان بعد هذه التطورات؟

ج. عملت السلطة على تفكيك القاعدة المادية للقوى الاجتماعية التي يمكن أن تشكل تهديدا لها، بعض ذلك ما كان سياسات منهجية وفق خطة التمكين وبعضه كان ارتجالا فرضته موجبات البقاء السياسي. لن استرسل في هذا الموضوع كثيرا لكنه مهم حينما يطرح مثل سؤالك عن ماهية القوى الثورية التي يمكن أن تحدث التغيير بحسب عبارتك. منتهى هذا التحولات كان ضعضعة الأساس المادي وكذلك الآيديولوجي الذي كان يسند نفوذ القيادات الطائفية. في هذا الخصوص التزم الاسلاميون المادية التاريخية أكثر من خصومهم الشيوعيين بمراحل ونفعتهم. لم تبدأ هذه التحولات عام ١٩٨٩ بطبيعة الحال..لكن تسارعت بشدة حين أصبحت الدولة بيد الاسلاميين أداة للهندسة الاجتماعية. أرخ الأستاذ كمال الجزولي لها بتاريخ انشاء بنك فيصل عام ١٩٧٧. تصديقا لذلك، تحدث حسن الترابي في نادي مكة في نوفمبر ١٩٨٤ بمناسبة مرور عام على تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان فكان تركيزه بالدرجة الأولى على أسلمة البنوك. عبرة ذلك ليس في المقام الأول في منع الربا، فقد وجد الفقهاء الاسلاميون عبر العصور تخريجات مبدعة لتجاوز هذه التفصيلة الشرعية بما يراعي مصالح كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال. قدم مكسيم رودنسون في كتابه “الاسلام والرأسمالية” حججا كافية في هذا الصدد وانتهى إلى أن المبادئ الاسلامية لم تمنع التطور الرأسمالي للعالم الاسلامي وليس فيها ما يتعارض مع التحول نحو الاشتراكية، فالاسلام كدين لم يصدر عنه نظام اقتصادي بعينه. قضية الربا قضية دعائية بالأساس لجذب المدخرات نحو القطاع البنكي الإسلامي ووضعه في موقع تحل فيه محل البنوك التقليدية، هي دعاية مثل قولهم “شيخ المصارف”. المهم أن الفئات الرأسمالية الصاعدة وجدت في رأس المال الخليجي مصدرا جديدا للتمويل جعلها في موقع المنافس الشرس للبرجوازية التجارية والزراعية المرتبطة بالقيادات الطائفية والتي كان لها الموقع المتقدم في السوق حتى أزاحتها بالكلية. كما ترى اليوم، أبناء الصادق المهدي يستثمرون في سوق الليموزين وبعض آل المهدي الأقل حظا استأجروا أجزاء من حيشانهم الواسعة في الملازمين مطاعم، أي هبطوا في السلم الطبقي من مواقعهم الأولى في صدر البرجوازية السودانية إلى التواضع الحالي، بينما اختار التاجر الشاطر بينهم، مبارك الفاضل المهدي، منذ فترة طويلة البحث عن حل ما مع الانقاذ يتيح له ومواليه العودة إلى السوق فتكس ورجع. لم يتأخر تجار الاتحادي ورجال أعماله عن ذات السنة. عبروا من مواقع المعارضة إلى حلف البشير فصيلا تلو الأخر حتى “الأصل” بقيادة الميرغنية.

س. هل يعني هذا أن المؤتمر الوطني نجح في قيادة البرجوازية السودانية؟

ج. عبر الرئيس البشير عن طموحاته في هذا الصدد بوضوح شديد حين اقترح قبل عامين اندماج حزبي الأمة والاتحادي مع المؤتمر الوطني في حزب واحد تحت مسمى “مؤتمر الأمة الاتحادي”. المعنى هنا أن المؤتمر الوطني تحققت له بدرجة كبيرة قيادة البرجوازية السودانية ويسعى لتكتمل له قيادتها السياسية بضم الفئات التي ما زالت تحتفظ بصوت سياسي مستقل عنه. تتكرر هذه المساعي بصيغ عديدة، كتحالف أهل القبلة وكذلك حوار الوثبة وحديث رجالات المؤتمر الوطني المتكرر عن ضرورة التوافق على ثوابت “وطنية” تصون الدولة مهما تغيرت الحكومات. مما سبق يبدو واضحا من هي القوى ذات المصلحة الموضوعية في تحول ثوري، وليس انتقال ديمقراطي وكفى الله المؤمنين شر القتال. في الواقع، يسعى حتى الاسلاميون، وطني وشعبي وسلام عادل والاصلاح الآن، إلى صيغة من التحول الديمقراطي مأمون العواقب يحفظ المصالح طويلة المدى للقوى الاجتماعية التي تحقق لها التمكين منذ إنشاء بنك فيصل في ١٩٧٧. 

س. هل تبخس التحول الديمقراطي؟

ج. لا أقصد بهذا التمييز تبخيس التحول الديمقراطي كهدف مباشر لكن تكررت علينا التجربة في ١٩٦٤ وفي ١٩٨٥ بهزيمة الديكتاتورية ثم عودتها دون نظر في القوى الاجتماعية التي تفرخ هذه الديكتاتوريات كقانون للثورة المضادة إذا جاز التعبير. عبر مسطول عن علاقات القوى السائدة بأمنية معقدة، قال يريد أن يعيش في “عالم زين”، هذا العالم الجميل زاهي الألوان الذي يطل عليه عبر الدعاية من خلال شاشة التلفزيون لكن لا يجد إليه سبيلا. هذا في رأيي خط الصراع الاجتماعي في بلادنا، بين ساكني عالم زين وبين الذين انسدت أبوابه أمامهم. هؤلاء هو أصحاب المصلحة الأولى في الإطاحة بعلاقات السيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإعادة تركيبها بما يجعل للتحول الديمقراطي محتوى يتجاوز انتقال السلطة بين فئات متنافسة تشترك في الواقع في مصالحها الطبقية وليس في امكانها حتى تخيل مناهج لإدارة موارد البلاد وتوزيع ثرواتها وانتاجها خارج الصندوق الرأسمالي. 

س. كيف تشخص أزمة البلاد الحالية؟

ج. عند تشخيص أزمة بلادنا المركبة تتردد مقولات المركز والهامش وصراع الهوية وهي صحيحة لا شك لكنها لا تصف العلة، فتاريخ بلادنا الحديث هو في صورة من الصور قصة الاختراق الرأسمالي لمجتمعات انخرطت تدريجا في السوق الرأسمالي العالمي. لك أن تفكر في هذه التاريخ مثلا عبر بوابة “الكبانية”، جنس الشركات الخرطومية في القرن التاسع عشر التي كانت تدير تجارة الرقيق من مسارح الاسترقاق في جبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب السودان إلى السوق الداخلي ثم سوق الصادر. ثم أنظر في تحولات “الكبانية” هذه عبر العصور يتغير مصدر التمويل وتتغير السلع، في الغالب مواد خام، لكن ظل جوهرها ساكن، ممول أجنبي يجني القسط الأكبر من الأرباح، وكيل محلي بما في ذلك السلطة الحكومية يجني القسط الأقل من الأرباح لكن يسيطر بفضل هذه العلاقة مع رأس المال الدولي على السوق الداخلي وعلى وسائل النقل ومنافذ التصدير كما يفرض بفضل السلاح الوارد إليه من مراكز القوة الأجنبية سيطرته على الأرض والموارد، مادية وبشرية، أو على الأقل يحاول فرض هذه السيطرة. تعمل “الكبانية” وفق أولويات الاستثمار التي يحددها السوق العالمي وليس وفق أولويات وطنية لتطوير قوى ووسائل وعلاقات الانتاج ونمو سوق محلي، ولا يعنيها في كثير أوقليل الخراب البشري والاجتماعي الذي تحمل معها أينما حلت. إذا اعتبرت في تاريخ الكبانية هذا، على سبيل المثال كبانيات الخرطوم المتخصصة في الرقيق في القرن الثامن عشر، شركة السودان الزراعية بتمويل بريطاني أول القرن العشرين، مشاريع الزراعة الآلية بتمويل سخي من البنك الدولي، بنك فيصل وأخوانه، كونسورتيوم النيل للبترول وأخوانه بشراكة صينية ماليزية هندية، الشركات الخليجية والتركية والصينية التي أخذت مؤخرا تستولى على الأراضي الزراعية في أقاليم البلاد المختلفة، قائمة الشركات الطويلة التي تنشط في تعدين الذهب، اكتشفت ربما حبلا من مسد يصل فصول تاريخ بلادنا الدموي بعضها ببعض. قوام هذا التاريخ الرئيس الاختراق الرأسمالي بوسيلة “الكبانية” والعلاقات السياسية والاجتماعية التي نجمت عن ذلك بين مركز السلطة، أي وكلاء الكبانية وأولهم السلطة الحاكمة، والمجتمعات صاحبة الموارد التي كانت هدفا للاستغلال الرأسمالي. 

س. لماذا فشلت المعارضة طوال الـ27 سنة الماضية من إحداث التغير او بصيغة اخري لماذا لم تهزم حكومة المؤتمر الوطني؟

ج. القوى المعارضة للانقاذ متعددة اللافتات لكنها بالقياس السابق قوى تمثل فئات من البرجوازية السودانية فقدت موقع القيادة الطبقية بتدهور الأساس المادي لسيطرتها، أي القيادات الطائفية، وهذه أصبح من الصعب جدا أن تستعيد هذا الموقع أو كما قالت فاطمة أحمد ابراهيم “ما بتشمها تاني قدحة”. ثم قوى المقاومة المسلحة في الريف، وهذه على عدالة قضيتها عاجزة حتى الآن ايديولوجيا أن تكتشف قانونا دخليا يوحد خط الصراع الاجتماعي كما نصح المسطول كما أن منظور قياداتها محدود بقضايا الاضطهاد القومي في كل اقليم حربي، دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بما لا يتجاوز مطلوبات التجنيد للقتال. الأهم أن هذه القوى مثلها والجيش الشعبي لتحرير السودان غلب عليها منطق العسكرة دون السياسة فنجحت في تجنيد المقاتلين لكن فشلت أيما فشل في فض علاقات الاضطهاد في المجتمعات التي تنشط وسطها فلم تقدم محتوى تقدميا للتحرير المنشود. قارن مثلا محصلة التحرير في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية شمال في جنوب كردفان أو في المناطق التي كانت تحت سيطرة حركة عبد الواحد أو حركة العدل والمساواة في دارفور بما استطاعت حركة تحرير شعب التقراي وحلفاؤها من تحقيقه في مناطق نفوذها قبل انتصارها على نظام الدرك في اثيوبيا أو ما استطاعت مؤخرا حركة التحرر الكردية من تحقيقه في روجافا شمال سورية فيما يخص قضية المرأة. 

س. تعني أن الحركة الشعبية نجحت عسكريا نسبيا لكنها فشلت في بقية الجوانب الأخرى في المناطق المحررة؟

ج. مثلها والجيش الشعبي في جنوب السودان كان جل اهتمام الحركات المسلحة تجنيد المقاتلين، طوعا وقسرا ولم تهتم إلا هامشيا بموارد الثورة سوى القتال في مجتمعاتها. في هذا الخصوص، تساءل المرحوم محمد ابراهيم نقد في كلمة بمناسبة الميلاد الثاني لاتحاد الكتاب السودانيين عن الموقع الذي تحتله قضية اللغات المحلية عند الفصائل المسلحة، هل اجتهدت بأي قدر في رعايتها وتطويرها أو التوسل بها للتعليم مثلا؟ في جبال النوبة، فضلت الحركة الشعبية أن تستبدل العربية باللغة الانجليزية كلغة تعليم مدرسي ولم تشغل نفسها كثيرا بتحرير لغات النوبة، فما التحرر القومي إذن؟ بالرغم من كل ذلك تظل مساهمة الحركات المسلحة الأولى أنها فرضت أسئلة جديدة على الطبقة السياسية لا يمكن بأى حال تجاوزها، أسئلة العلاقة بين مركز السلطة والأقاليم وقضايا القوميات وتوزيع الثروة القومية، وجميعها كانت غائبة عن النخب الحاكمة حتى عهد قريب، النخب التي صرخ في وجهها المرحوم حسن الطاهر زروق في برلمان الاستقلال بقضايا العدالة الاجتماعية فردت عليه بنقطة نظام. بهذا المعنى، لم يعد من الممكن تصور تحول سياسي يكنس هذه القضايا بعيدا عن الأنظار كما حدث بعد ثورة أكتوبر وانتفاضة مارس/أبريل ولا يمكن تصور عقد سياسي جديد يعيد تكوين مركز السلطة دون أن يفرد موقعا للقوى الاقليمية. بل إن أحد إسرار نجاح المؤتمر الوطني في البقاء هو ما حققه من توسع في الطبقة الحاكمة بادراج الطامحين من الأقاليم المهمشة في هياكله وفي تركيب السلطة متى ضمن ولاءهم. قال الطيب حسن بدوي، وزير الثقافة الاتحادي وابن جبال النوبة، في لقاء إعلامي بعد تعيينه أنه لو ظل على ولاء أهله لحزب الأمة لما أدرك من أمره شيئا فالنفوذ في حزب الأمة يحسب بالنطفة والعلقة بينما أتاح له المؤتمر الوطني الصعود السياسي. العبرة هنا أن المكتب السياسي لحزب الأمة صار تحت سيطرة الإمام الصادق المهدي هيئة عائلية لذريته وأزواجهم وقليل من أهل الثقة ولا يمكن تصور أن ينال الطيب فيه موقعا بأخوي وأخوك مهما بلغت مهارته بينما فتح المؤتمر الوطني سلم الصعود حتى الميس المعلوم للراغبين الموالين وفي ذلك يتنافس المتنافسون. قال الطيب في لقاء آخر أنه يرى نفسه امتداد للشهيدين مكي علي بلايل وعيسى ضيف الله. إن كان من أفق للمعارضة القائمة فهو يبدأ بفهم ما الذي وجده مكي وعيسى والطيب في الحركة الاسلامية ففاق عندهم ميزانا مر المظلمة القومية ولا بد ذاقوا منها ما ذاقوا كما فعل المرحوم يوسف كوة.

س. كيف تنظر لدعوات الشباب مؤخراً للعصيان المدني ومامدى فاعليته واسهامه في التغيير؟

ج. بتشاؤم الفكر وتفاؤل الإرادة. بطبيعة الحال يصعب الحديث عن الشباب ككتلة سياسية واحدة فهم فئة عمرية تتوزع ولاءاتهم كغيرهم من الفئات العمرية. لا تنس أن  الشباب هم أيضا من يقاتلون على الجبهات في كل جانب، في قوات الدعم السريع وفي الجيش الشعبي (شمال). بالتالي لا تستقيم هذه المناقشة بغير ضبط المقصود، في هذه الحالة فئات واسعة من الشباب الحضري التواقين إلى  نظام سياسي يعبر عن طموحاتهم، وقد ابتكروا بوسائل التوصل الاجتماعي أنماطا من الدعاية وأساليب الحشد جربوا فاعليتها بدعوتي العصيان في نوفمبر وديسمبر من العام الماضي. بذلك أضافوا إلى علبة أدوات الاحتجاج وسيلة جديدة. المهم أنهم بذلك جذبوا إلى ساحة العمل السياسي فئات كانت غائبة عنها، بل عفت سياسة الأحزاب المستقرة بالمرة وفضلت عليها مشاغل مستقلة كمثل ما فعل “الحواتة” وشباب شارع الحوادث. العبرة أن الشغف بالعمل العام والخدمة الاجتماعية ما زال حيا لم تكتمه المحاولات المستمرة للتدجين في قوالب ثابتة ولن يعدم كل من حدثته نفسه بالنضال وسيلة إلى ذلك. 

س. هؤلاء الشباب خارج الأطر التنظيمية هل هذا يعني ان القوى السياسية عجزت عن احتواء هذه الطاقات؟

ج. نعم، لم تعجز فقط، بل تتخوف من هذه الطاقات وترتعد مما يمكن أن تحدثه في البنى الحزبية من تغييرات. تريد الأحزاب أن يأتيها المنتسبين خاضعين موالين لا مبتكرين مجددين. تريد منهم الرضى بالقسمة إذا جازت العبارة، وحتى هذه تتناقص كما تشهد بذلك مصاعب الحزب الشيوعي مع المناضلين الشباب الذين تجذبهم شعاراته ويلهمهم تاريخه ومتى ما اجتهدوا في اجتراح ما يتلاءم مع تجربتهم السياسية صدهم بحملات التأديب ولفظهم بدعوى الحفاظ على جسد الحزب، أي تمائم المحفوظات الحزبية كأن الحزب أيقونه لا يلحقها الزمان والمكان. قارن ذلك بفورة النشاط في حزب المؤتمر السوداني الذي أتاح للراغبين من شبابه فرص التجريب والخطأ والصواب فنهض ليصبح حزبا حيا يمشي بين الناس وليس فقط مكتبا سياسيا يصدر البيانات عند اللزوم. في هذا الخصوص يجب الانتباه إلى مسارعة الأحزاب والحركات المسلحة لحصاد فوائد النشاط المدني على مصاعبه. أصدر ياسر عرمان سيلا من الرسائل التعليمية إلي أصحاب دعوة العصيان المدني أيا كانوا في استعجال مقلق خوفا من أن يفوته اسقاط النظام أيان ميقاته فدعى إلى خلق مركز موحد للمعارضة، وهي دعوة ملتبسة لحركة سياسية ترى النشاط المدني حلقة ثانوية لعملها العسكري. فوق ذلك، وجه ياسر رسائل أكثر خطورة إلى ضباط الجيش يطلب منهم بلفظ مستتر اهتبال الفرصة والانقلاب على النظام فعاد من سكة ثورة أبطالها المظلومين المهمشين إلى سكة الانقلاب البرجوازي الصغير كأن لم يك شيئا، وهزم بذلك العصيان المدني قبل أن ينجح حتى. الحقيقة، حتى ياسر ربما يخشى الثورة التي يدعو لها فقد تأتي بقوى يجهلها وقيادات لا يعرف لها اسما وميزة كأصحاب دعوة العصيان المدني وأبطال سبتمبر ٢٠١٣ وتسحب من تحت أرجله البساط وقد استقر له بالحرب والتفاوض موقعا في الطبقة السياسية السائدة. صوب الواثق كمير زميله ياسر في رسالة قصيرة يطلب فيها من قيادة الحركة الشعبية شمال أن تعمل بما تنصح به وتوجه قدراتها إلى النشاط المدني بين الجماهير بدلا عن انتظار معادلة مفاوضات حربية ترسم حدودها في المقام الأول التوازنات الاقليمية ومصالح القوى العظمى مع حكومة السودان. ختم الواثق رسالته القصيرة ببلاغة موحيه فكتب لقراءه “والله أعلم”. أليس هذا هو الارهاق الخلاق الذي نصح عبد الله علي ابراهيم بالاعتراف به؟ 

س. يقارن منتسبو النظام الحاكم الدعوة للتغيير بالأوضاع التي آلت اليها بعض بلدان المنطقة كسوريا واليمن وليبيا هل تعتقد في حال حدوث تغيير يمكن أن تتحول أوضاع البلاد لهذا النموذج؟ولماذا؟

ج. هذا ادعاء القصد منه بث الذعر في النفوس وتعميق الهوة بين حضر البلاد الذي لم تغشاه الآثار المباشرة للصراع المسلح والمجتمعات التي ظلت تزرح تحت نيران القتال منذ عقود وأوضاعها لا تختلف نوعيا عن أمثلة ليبيا واليمن. فعالية هذا الادعاء انه يعكس في جانب منه الانقسام الطبقي في البلاد كما شرحه المسطول بين “عالم زين” والعوالم غير الزين خارجه فالنظام يقول بذلك أن حشودا فوضوية ستطيح بهذا العالم الجميل ومصالح قاطنيه متى انفتحت أبواب التغيير السياسي. الرد على ذلك اللهم آمين. النظام يسوق نفسه كمدافع عن مصالح الطبقات الاجتماعية العليا في وجه الذين لا يملكون ما يخسرونه، ويجتهد في ابتكار التكتيكات لتعميق الانقسامات العرقية والقبلية التي تحول دون توحد قوى مضادة له من جمهور الخاسرين خارج عالم زين وبالمقابل توحيد وتوسيع قاعدته الاجتماعية بالدعاية القومية. انظر مثلا كيف أعاد في دعايته تدوير شعارات وسيرة الحركة الوطنية لتصب في تصوير السودان الذي يريد. تشاهد في الاعلام مثلا سيرة للعطبراوي خالية من أي شبهة تخريب ثوري عمالي، عطبرة فيها خلفية سياحية من الزمن الجميل وليس مستودع لتجارب ثورية رائدة، وتشاهد تخريجات مصورة للأغاني الوطنية على طريقة روتانا سينما لا مكان فيها للصراع الاجتماعي تأكيدها على الوحدة القومية وتقرأ أبيات محجوب شريف الملهمة على لافتات دعاية المؤتمر الوطني ترافق صورة الرئيس البشير.. حنبنيه والذي منه. رد الناس على مثل هذا التشويه الدعائي بسيل السخرية من النظام ورموزه الذي أصبح مادة يومية للتسلية في وسائل التواصل الاجتماعي ربما أضحك اللاذع منه حتى الرئيس البشير نفسه الذي أصبح عند شباب الأمن مجرد “عمك”.  

س. كيف يمكن أن يحدث التغيير؟

ج. كما تحدث الولادة، بعد حمل طويل. 

س. بات الكثير من الشباب يضع الحكومة والمعارضة في خانة واحدة في رأيك لماذا هذا الادعاء وهل له مبرراته؟

ج. نعم، له مبرراته فالمعارضة في غالبها تدعو الشباب إلي الماضي، تدعوهم إلي “زمن جميل” قبل ١٩٨٩ لم يشهدوه، وتكرر على أسماعهم صباح مساء ما هم فيه من بلاء، فتعليمهم عند المعارضة أي كلام وووعيهم ملتبس ونواياهم غير مضمونة بما أنهم جيل المشروع الحضاري. إذا كان للمعارضة الرسمية من رسالة فلا يمكن لوم مستقبلي الرسالة على عدم وصولها أو فشلها. لا يستقيم أن تصد الأحزاب قنواتها أمام المناضلين الشباب وتنتظر منهم في ذات الوقت أن يتقدموا للفداء من أجل استعادة ماض لم يعرفوه. تكرر المعارضة منذ انقلاب ١٩٨٩ حرفيا عبارة “استعادة الديمقراطية” كأن الديمقراطية القادمة هي ما عهدت القيادات الحزبية في ماضي سيرتها وليس ديمقراطية جديدة يشق طريقها مناضلو اليوم ويضعون لها اللبنات كما يناسب تغير الحوادث. نظر المعارضة مشدود إلي الخلف ونظر القوى الصاعدة مشدود إلى الأمام وبين الإثنين ما قال غرامشي أنه الأزمة الثورية، ماض لا يقو على الموت ومستقبل لم يولد بعد وفيها ترون الفظائع أو كما قال.

س. قال رئيس حزب الاصلاح الآن غازي صلاح الدين أن السؤال عن من هو البديل سؤال وقح كيف تنظر للامر؟

ج. لم أقرأ سياق عبارة غازي ولذا لن أعلق عليها. لكن الواقع أنه سؤال يتردد منذ وقت طويل. نصح المرحوم التجاني الطيب في كلمة مهمة خلال عمله في قيادة التجمع الوطني الديمقراطي بإجابة شافية على سؤال ماذا هو البديل، أي ما المشروع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تبشر به المعارضة ليحل محل الانقاذ وأى سكة تدعو إليها الناس. الوقاحة أن تكون الإجابة هي ذات سكة التطور الرأسمالي، سكة الكبانية التي أوردتنا هذه الموارد، فما سكة غازي؟ 

س. كيف تنظر للذين يطرحون الاشتراكية في خضم واقع عالمي واقليمي رأسمالي؟

ج. ما لم تقله في سؤالك أنه واقع عالمي واقليمي متأزم. أثبتت الرأسمالية قدرتها على التوسع والتجدد بينما انهارت التجارب الاشتراكية على النمط السوفييتي. هذه حقائق التاريخ. من ناحية أخرى ثبت أن علاقات الانتاج الرأسمالية على نجاعتها في تتفجر بالتناقضات.طرح المفكر السلوفييني سلافو جيجيك كأمثلة على ذلك ثلاثة قضايا حاسمة لا يمكن حلها في سياق الملكية الفردية وعلاقات الانتاج الرأسمالية وتتطلب في واقع الأمر حلا شيوعيا أمميا إذا جازت العبارة. الأولى قضية التدهور البيئي التي تهدد الكوكب بأجمله. في بلادنا كانت احدى انعكاسات هذه القضية تزايد حدة الجفاف والتصحر في حزام السافنا ما أفضى إلى سلسلة الصراعات المميتة حول الأرض بين المزارعين والرعاة. هذه قضية لا يمكن حلها بأي حال وفق علاقات الملكية الفردية للأرض وتتطلب كما ذكرت حلا اشتراكيا. الثانية قضية الملكية الفكرية بما في ذلك للمكتشفات الطبية والأدوية المستحدثة، وهي مكتسبات بشرية إن تركت نهبا للاستثمار الرأسمالي كانت النتيجة الانتشار غير المسبوق للاوبئة. استطاعات معاهد بحوث في الهند وجنوب افريقيا على سبيل المثال كسر حواجز الملكية الفكرية التي تفرضها الشركات الأوروبية والأميركية على مثل هذه المكتسبات العامة للبشرية التي لا يعقل حصرها بعلاقات ملكية فردية لتحقيق أرباح طائلة. الثالثة الثورة العلمية في مجال البيولوجيا الحيوية، حيث تنشد شركات ومؤسسات أميركية وأوروبية فرض الملكية الفردية على المكتشفات الجينية بينما المادة الوراثية للبشرية ملك للبشرية كلها ولا يعقل على الاطلاق تصور أن تملك شركة في كاليفورنيا حقوق الطبع لجينات يحملها كل البشر، عضو الكونغرس الأميركي والطفل الذي يدفع ترتارا غرب الحارات سيان. أضف إلى هذه القضايا على سبيل المثال قضية الهجرة التي تؤرق اليوم الحكومات الأوروبية وهي في جانب منها نتيجة للموجة المعاصرة من الاختراق الرأسمالي وشهرتها الليبرالية الجديدة. فرض التطور التكنولوجي في ظل علاقات الانتاج الرأسمالية تمركزا شديدا للنشاط الانتاجي ليترسخ الانقسام بين القوى الثمانية الكبرى التي اجتمعت فيها منجزات الثورة العلمية التكنولوجية وقوى العمل والإنتاج والخدمات المتصلة بها وبين بقية العالم. صارت وفق هذا الانقسام الكتلة البشرية خارج هذه الدول الثمانية وكذلك من لفظتهم علاقات الإنتاج في داخلها فائض من الحياة لا ضرورة اقتصادية لوجوده. بذلك صار إنسان طويلة أو الرقة أو بور أو كابول خارج دائرة الاستغلال المباشر إذا لا جدوى اقتصادية من عمله ولا ضرورة للاستثمار في حياته أقصى ما يمكن أن يبلغه أن يتحول إلى رقم في سجلات اللاجئين والنازحين التي ترعاها الأمم المتحدة نيابة عن العالم “الحر”. بعبارة روزا لوكسمبرغ العالم بين خيارين إما الاشتراكية أو البربرية، نحن في البربرية. 

س. هنالك مأزق حقيقي في حال ذهاب هذه الحكومة، فكيف يتم التعامل معها. هل يتم عن طريق التسامح كالنموذج الجنوب افريقي أم عن طريق المحاسبة العادلة؟ 

ج. ليس هنالك مأزق على الاطلاق.. الطريقة التي ستذهب بها الحكومة ستجيب على سؤالك. لم يتنظر من قاتلوا القذافي أن يصلوا به قاعة المحكمة واقتصوا منه على طريقتهم. عامل الجيش المصري حسني مبارك كبطل مظلوم حبسه في سرير مستشفى حتى اكتملت الثورة المضادة وعاد علي عبد الله صالح إلى واجهة الأحداث بفضل الحرب السعودية على اليمن. 

س. كيف يعود الجيش إلى ثكناته مرة أخرى في ظل الواقع السياسي المتخلف الآن نتيجة لكثرة المليشيات المسلحة في الحكم والمعارضة والتدفق الهائل للسلاح لدى المواطنين في مناطق الهامش؟ 

ج. الجيش هو المسؤول الأول عن هذا الواقع المتخلف بعبارتك منذ أن اتبع سنة الحرب بالوكالة، وهو اليوم صاحب القدرة القتالية الأعلى صحيح لكنه غير قادر على بسط سيطرته على السلاح وربما إيضا غير راغب. حجة التهديد الأمني هي عين حجة الجيش في مد نفوذه السياسي وقد جاء الوقت بعد عقود من الحرب الأهلية في بلادنا لطرح الأسئلة الصحيحة عن الجيش وموقعه من السياسة. الطريف أن معارضين عظام يظلون رغم هذه التجربة الطويلة على عقيدتهم في طريق الجيش القصير فتراهم يرددون في كل واقعة احتجاج اللهم انقلاب اللهم انقلاب.. كأن انقلاب أحمد الذي ينتظرون سيأتي بالرايحه على عكس انقلاب حاج أحمد الذي يمقتون، وكما قال الواثق “الله أعلم”. 

Friday, 30 September 2016

عند خارطة الطريق: أي الطريقين أرشد؟

تورطت فصائل قوى الاجماع الوطني بحماس شديد في منازعة حول الموقف من خارطة الطريق الافريقية حتى انقسمت فرقتين: الرافضة الذين يرون في خارطة الطريق خيانة ليس بعدها، فهي عين “الهبوط الناعم” سئ الذكر ومما لا يليق بقوى ثورية تريد الاطاحة بنظام المؤتمر الوطني عبر الانتفاضة الشعبية، والمؤتلفة مع قوى نداء السودان، المحاربة منها والمسالمة، التى أقرت خارطة الطريق بعد تردد وتنتظر أن تخرج من جولات التفاوض في أديس أبابا بما يخدم هدف التغيير السياسي في البلاد. تبادل الطرفان الاتهامات خاصة بعد أن أصدر روافض الاجماع الوطني قرارا بتجميد عضوية كل من قبل بخارطة الطريق، أي المؤتمر السوداني ومن في صفه. بل اتهمت قوى الاجماع بالداخل، أي المؤتمر السوداني والأمة القومي ومن في صفهما، قوى عروبية في الاجماع، أي البعث العربي الاشتراكي، بتفكيك المعارضة لهواجس عندها تجاه المجتمع الدولي زاد من حدتها انهيار شموليات البعث في الجوار العربي. عبرت قوى نداء السودان بالداخل عن أسفها على حال الحزب الشيوعي الذي انجر كما قالت إلى مناصرة “طواحين الهواء” في البعث العربي الاشتراكي حيث انعقد حلف غير معلن بين الشيوعي والبعث العربي الاشتراكي بعد صعود الخطيب إلى قيادة الأول، استقر وتعزز بما حقق الخطيب وكتلته في مؤتمر الحزب السادس، ثم أعلنت آخر الأمر اعتزالها حلف الاجماع الوطني بالكلية. قالت الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) من جانبها أنها صدمت من قرارات روافض الاجماع وزادت أن مجهوداتها ومجهودات القوى الوطنية في توحيد المعارضة اصطدمت بتيار ايديولوجي معاد لقضايا التنوع والهامش يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي لرئيسه علي الريح السنهوري الذي يتوارى في زعمها خلف ستار شعارات اسقاط النظام ومعاداة الامبريالية. 
يمكن بيسر السخرية من الطرفين فنزاعهما على سمن سيأتي من لبن ليس لديهما إلى بقرته سبيل، لكن لا تنفع السخرية لوحدها في تقصي عظمة هذا النزاع على هزليته. بل ربما ساعد هذا النزاع على كشف دروب جديدة للتحرر لا تمر بنادي الصفوة السياسية، دروب تصل السياسة بمصالح الناس وفيها يلتقون لا على معارضة الانقاذ وكفى، بعون المجتمع الدولي أو برغمه، وإنما على الحياة المشتركة والنهضة الوطنية. من أعاد قراءة الفقرة أعلاه وجد منتهى الملاواة بين الطرفين حول الموقف من خارطة الطريق بعد أن اصبحت واقعا وانعقدت على أساسها جولة التفاوض السابقة في أديس أبابا في مساريها بين الحكومة والحركة الشعبية والحكومة وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان (مناوي). احتج البعث والشيوعي قبل ذلك على خارطة الطريق ورفضا التوقيع عليها بإسم قوى الاجماع لكن انهزمت خطوتهما بخروج المؤتمر السوداني على حلف الإثنين ومشاركته في اجتماعات نداء السودان التي انتهت إلى التوقيع على الخارطة، ثم انهزمت مرة أخرى بتواصل التفاوض بين الحكومة والقوى المسلحة على أساس خارطة الطريق. بذلك، أصبح احتجاج البعث والشيوعي الحالي على خارطة الطريق، وقرارهما تجميد عضوية كل من قبل بها من قوى الاجماع، قرارا غير ذي موضوع، فلا البعث ولا الشيوعي مناط بهما التفاوض مع الحكومة ولا بيدهما حيلة مباشرة في الصراع العسكري في المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، ودارفور، وليس لهما أن يقررا في مواضيع التفاوض أو منتهاه نيابة عن القوى المسلحة. بذلك فإن اصرار البعث والشيوعي على خارطة الطريق كموضوع للاحتجاج يدخل الإثنين في تناقض المطالبة بالحل السلمي التفاوضي للنزاعات المسلحة في البلاد، كما تقول بذلك أدبيات الاجماع، ومعارضة الحل السلمي برفضهما الأساس الذي يقوم عليه التفاوض في واقع الحال. قد لا يستغرب هذا الموقف من حزب حربي الطباع كالبعث العربي الاشتراكي لكنه مستغرب من الحزب الشيوعي الذي رعى شعار الحل السلمي الديمقراطي للنزاعات المسلحة ذات الأساس القومي منذ خمسينات القرن الماضي وبشر بالحكم الذاتي وتقرير المصير دون تلكؤ وقت كانت دعوته التقدمية نشازا على لحن “أمة أصلها في العرب”. 
تشغل البعث والشيوعي البنود التي تتصل بالحوار الوطني، والتي تعترف بحوار الوثبة كبداية لعملية “الحوار الوطني السوداني” في عبارة الخارطة لكن تصفه بأنه لم يشمل جميع الأطراف، وتذكر تحديدا الأطراف الموقعة على الخارطة، كما تدعو لجنة ٧+٧ إلى اجتماع يلتئم في أديس أبابا مع فصائل خارطة الطريق للبحث في الخطوات اللازمة لتحقيق شمولية الحوار. انزعج البعث والشيوعي أيما انزعاج من ذكر حوار الوثبة في أي صيغة كانت بحجة أن خارطة الطريق تمهد لأن يلج الجميع قاعة الصداقة صاغرين، ومن ثم يفتح الباب واسعا لتحقيق خطة “الهبوط الناعم” المزعومة. وردت عبارة “الهبوط الناعم” هذه أول ما وردت على لسان المبعوث الصيني الخاص إلى دارفور، ليو غويجين،في اكتوبر ٢٠٠٨. وقتها، دعى المسؤول الصيني بعد سلسلة محادثات في باريس ولندن وواشنطن إلى “هبوط ناعم” يحول دون اصدار أمر إدانة ضد الرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية. قفزت العبارة مرة أخرى إلى السطح في الفترة التي سبقت انتخابات ٢٠١٠. عبر مسؤولون في البيت الأبيض وقتها عن ضرورة تأمين “هبوط ناعم” للرئيس البشير والسودان الشمالي يحول دون أن تعرقل الخرطوم الاستفتاء المنتظر على مصير جنوب السودان. تكررت العبارة بذات المعنى على ألسن قادة كبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان حينها أبرزهم ربما لوكا بيونق دينق، لكن لم تكتسب رنينها الحالي إلا بعد أن ضمتها مقدمة تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في مارس ٢٠١٥ حول مآلات الحوار الوطني. قالت مقدمة التقرير: “تتضاءل فرص نجاح الحوار الوطني الشامل الذى دعى إليه الرئيس البشير في يناير ٢٠١٤، ما يثير مزيدا من الشكوك في امكانية هبوط ناعم ينهي أزمات السودان. بذلك تأكدت مخاوف من حذروا من أن الحزب الحاكم غير راغب وغير قادر على القيام بالتنازلات المطلوبة”. 
اقترح التقرير الذي سبق الانتخابات العامة في أبريل ٢٠١٥ جملة خطوات قال أنها يمكن أن تعزز فرص نجاح الحوار اختصارها الضغط على الحكومة والمعارضة للمشاركة في اجتماع تحضيري للحوار الوطني تشغل فيه لجنة أمبيكي دور الوسيط؛ تشجيع المعارضة والقوى المدنية الأخرى على صياغة موقف موحد بتيسير من دولة ثالثة محل ثقة الأطراف (المبادرة التي ترعاها ألمانيا)؛ دفع الحكومة والمعارضة إلى التعاطي الايجابي مع استراتيجية لجنة أمبيكي الداعية إلى عملية تفاوضية متوازية ذات مسارين، المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) ودارفور؛ اقناع الصين بتوجيه استثماراتها في السودان لمخاطبة عدم المساواة الاقليمية التي تغذي الحروب. إن كانت هذه تقنيات الهبوط الناعم وقد تضاءلت فرصه فقد فصلت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته في نوفمبر ٢٠١٢ بعنوان “السودان: اصلاح عميق أم مزيد من الحرب” رؤية للتحول السياسي في السودان لم ترد فيهاعبارة “هبوط ناعم” لكنها تعتبر القاعدة التي قامت عليها اقتراحاتها التالية. استعرض تقرير نوفمبر ٢٠١٢ توازن القوى آنذاك بين الحكومة والمعارضة، المسلحة التي اجتمعت في الجبهة الثورية والسلمية الحزبية، وخلص إلى أن ميزان القوى لا يسمح لأي من الأطراف بتحقيق مطالبه القصوى، ومن ثم زكى تسوية ما بصيغة تحقق تحول سياسي مقبول وتحول دون انتشار الحرب. في هذا السبيل اقترح التقرير على حكومة السودان أن تدعو المؤتمر الوطني الحاكم والقوى المعارضة إلى صيغة حكم مؤقتة بمواقيت محددة وعلى أساس مبادئ متفق عليها بهدف الوصول إلي وقف شامل لاطلاق النار وايصال المساعدات الانسانية إلي مناطق النزاعات إلي جانب صياغة خارطة طريق تنتهي بالوصول إلي سلام شامل؛ اطلاق عملية سياسية تجمع قوى المعارضة المسلحة والمدنية بهدف الاتفاق على نظام للحكم ينهي الصراعات المسلحة في البلاد ويؤدي إلى صياغة دستور دائم للبلاد؛ تنفيذ جملة من الاصلاحات القانونية والقضائية من ضمنها تعيين قضاة مستقلين بما ذلك في المحاكم الخاصة، ضمان استقلال القضاء ومراجعة اجراءات التحقيق والنيابة وسلطات التوقيف الشرطية والأمنية؛ محاسبة القوى النظامية على انتهاكاتها للقانون الدولي الانساني؛ تعديل بنود القانون التي تؤمن الحصانات لأفراد الشرطة والأمن. اقترح التقرير على أعضاء الجبهة الثورية كبح مصالحهم الخاصة لصالح التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة تشكل اطارا للتحول السياسي والعمل على توسعة القاعدة الشعبية للمعارضة والدعم الشعبي للتحول السياسي. من جهة أخرى اقترح تقرير نوفمبر ٢٠١٢ على حكومة جنوب السودان تشجيع الجبهة الثورية وقوى المعارضة السودانية الأخرى على ادراك أن تحولا حسن الادارة أجدى من خطة الانقلاب أو التحول السياسي العنيف بما قد يصاحبهما من فوضى.
وجهت مجموعة الأزمات الدولية اقتراحاتها الأهم إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الافريقي والجامعة العربية، وهي الاقتراحات التي تشكل عقدة “الهبوط الناعم” إذا جاز التعبير: العمل على حل موحد وشامل لنزاعات السودان المتعددة؛ عرض جملة من المحفزات على الرئيس عمر البشير وصفوة الحكم في المؤتمر الوطني لتشكيل حكومة انتقالية ووضع السودان بحزم في سكة التحول السياسي من ضمنها المساعدة في استقرار الاقتصاد، رفع العقوبات، التسريع باستفادة السودان من مبادرة الدول الفقيرة الأعلى مديونية واجراءات أخرى لاعفاء السودان من الديون بشرط تحقيق واجبات خارطة طريق التحول السياسي وتحقيق تقدم في المحادثات مع جنوب السودان حول قضايا ما بعد الانفصال، توجيه طلب إلى مجلس الأمن باستغلال المادة ١٦ من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية لتأجيل اجراءات مقاضاة الرئيس البشير لمدة عام ذلك بشرط أن تتخذ الحكومة اجراءات ملموسة في اتجاه الانتقال السياسي ومتى ما ظهر أن طلب توقيف الرئيس البشير يمثل عقبة حقيقية تمنع الانتقال السياسي، هذا دون الزام المجلس بتجديد هذا التأجيل إن تراجع الرئيس البشير عن التزاماته؛ دعم عملية الانتقال السياسي من خلال التدريب وبناء القدرات بما يمكن من تكوين ونمو أحزاب قائمة على القضايا تمثل مهمشي السودان وتعبر عن مطالبهم بما في ذلك سكان المناطق النائية والشباب والنساء وفقراء الريف والحضر. 
يبدو من قرائن الأحوال أن قوى الحكم اهتبلت الفرصة المعروضة عليها فخرج البشير في خطاب الوثبة بما يعتبر شكلا صيغة للحوار الوطني، يحفزها تحذير الغضب الشعبي في سبتمبر ٢٠١٣. جذبت هذه الصيغة أول الأمر القسط الأكبر من قوى المعارضة الحزبية بمشاركة حزب الأمة، لكن سارت الأمور على غير ما يشتهي الصادق المهدي إذ أصرت الحكومة على مقعد القيادة في الحوار الوطني وتلكأت خطواتها فيه تنتظر جزرة المجتمع الدولي التي لم تعدو حتى الآن حد “الضواقة”. أصرت الحكومة في رعشة ديمقراطية على مساواة المشاركين في الحوار، من في صفها كمعارضيها كأسنان المشط، كل من آنس في نفسه كفاءة الحزب استحق صوتا، فرفضت صيغة الصادق المهدي القائمة على أفضلية “الأحزاب التاريخية” وتجريد أحزاب “الفكة” في عبارته من مواقعها. تصديقا لمطلوبات “الهبوط الناعم” سئ الذكر ائتلفت أطراف الجبهة الثورية وحزب الأمة وأحزاب الاجماع الوطني وقوى المجتمع المدني تحت لواء نداء السودان، فهي أيضا لم تملك سوى مسايرة المجتمع الدولي في الذي طلب أملا في التغيير. إن استعدت الحكومة لاستحقاق الحوار بتوسيع ساحة المناورة عدمت المعارضة الحزبية السبل لتجنيد القوى الجماهيرية خلف مطالبها، فوقفت في سبتمبر ٢٠١٣ موقف المتفرج ثم ما لبثت أن استكانت كلية إلى الخطة التي يسبها البعث والشيوعي اليوم باعتبارها مؤامرة امبريالية، تدعو إلى الحوار وتأنف منه وتدعو إلى الانتفاضة الشعبية ثم “تنط” كما فعلت حين جاءها تلاميذ المدارس بقمصانهم الدموية. 
لماذا يخاتل البعث والشيوعي الآن بالثورة، وقد كانا ضمن قوى الاجماع الوطني طرفا في نداء السودان وشاركا في اجتماعات برلين وباريس التي دارت في عمومها حول خطة الانتقال التي بشرت بها تقارير الأزمات الدولية والتقى ممثليهم ومنهم الخطيب، سكرتير الحزب الشيوعي، ولا بد بالوسطاء الدوليين الذين تركزت مهمتهم في تسويق هذه الخطة وتحفيز القوى السياسية على القبول بها وقد عدموا سواها؟ لماذا بدت لهم عيوب هذه الخطة فقط في منعرج خارطة الطريق الافريقية؟ ألم تكن هذه العيوب ظاهرة للعيان منذ اجتماعات برلين ومن قبلها؟ الجواب الأكثر تفاؤلا ما قال المرحوم عبد الخالق محجوب وهو يراقب القوى الوطنية المناهضة للاستعمار في متاهتها القاهرية، قال عدمت النظرية التي تقابل بها التحدي الاستعماري فلم تر فيه سوى المقابلة بين الأجنبي والوطني وما تبع ذلك من ظلال دينية عقدية أو قومية، وكذلك قوى المعارضة الحزبية اليوم، بما فيها البعث والشيوعي، تناكف المؤتمر الوطني بالغبينة والغيظ تنتظر منه أن يتداعى من تلقاء نفسه بتكاثر الخطوب والعلل أو يصحو من سكرته السلطوية ليفشي الديمقراطية هكذا صدقة وكفارة ويسلم السلطة لمن صبر أطول في انتظارها. جارى كل من البعث والشيوعي خطة “الهبوط الناعم” ثم تحولا عنها تقية، وهذا الجواب الأكثر تشاؤما، وقتما برزت الفوائد المستفادة من التشنيع بها في حسابات الصراع الحزبي الداخلي. يذكر أن قيادة الحزب الشيوعي الحالية اتهمت الشفيع خضر بتسويق “الهبوط الناعم”، وهو الذي فصل نقدا مقروءا لحيثياته ودعى إلى توطين المعارضة في القوى الجماهيرية وصياغة استراتيجية فعالة للتعامل مع المجتمع الدولي لا تنتهي عند ردود الأفعال، إما الإذعان أو الحردان، بل جعلت هذا الاتهام في مقدمة الأسباب التي سوقتها بين عضوية المؤتمر السادس للحزب لفصله. وقتها، أعلنت هذه القيادة الانتصار على “الهبوط الناعم” وجددت رفضها له مرة بعد أخرى بما في ذلك في خطاب سكرتير الحزب في جلسة المؤتمر العلنية، ذات الرجل الذي تولى مهمة تمثيل الحزب الشيوعي في اجتماع برلين “الناعم” وليس الشفيع. 
ها هي ذات القيادة، وقد استقرت في حجر البعث العربي الاشتراكي، تفصل حلفاء الحد الأدنى في قوى الاجماع الوطني بدعوى مجاراتهم للخطة الدولية فماذا حققت؟ انفصلت هي عن غالب القوى المعارضة التي قبلت، بعد لأي أو بغيره، بخارطة الطريق الافريقية، قاعدة التفاوض الجاري، وعزلت نفسها عن الصراع السياسي في صيغته المرعية دبلوماسيا، ورب ضارة نافعة. يمثل هذا التفكك الهزلي لحلف المعارضة، الجبهة الثورية جبهتين، وقوى الاجماع الوطني اجماعين، فرصة لتجاوز تراكيب المعارضة الحالية وقد انقطعت بها السبل. لكن، لم يفتر الناس خارج عالم “زادنا” و”زين” من ابتكار مواعين وطرائق للتعبير عن مناهضتهم للجوهر الرأسمالي لنظام الحكم، تحت قيادة المؤتمر الوطني ورئيسه أو سواهم. كفانا المسطول في النكته السارية تعريف خط الصراع الاجتماعي حين سئل “عايز تعيش وين”، فرد قائلا “في عالم زادنا”، العالم الذي يراه على الشاشات، حلو عامر مبهج نظيف مرطب، وينظر حوله فلا يطيق إليه وصولا. ما قوى سبتمبر ٢٠١٣ التي نهضت للمقاومة وتلكأت الأحزاب إلا مقدمة باكرة للحلف الجماهيري الذي متى استقام وبرز التنظيم السياسي الذي يعبر عن مصالحه الطبقية بقادر على شد ميزان القوى لصالح “فقراء الريف والحضر” في عبارة تقرير مجموعة الأزمات الدولية الساهية. ظلت العقبة التي تلازم عمل المعارضة لعقود التناقض القائم بين القوى الحزبية المدنية والقوى المسلحة، وهو تعبير ملح عن التناقض بين الحضر والريف أو المركز والهامش، ولكل تكنولوجيا خاصة يرجو بها إعادة تركيب السلطة، الانقلاب والحرب الريفية. اجتمعت لشعبنا من التجربة السياسية مع الإثنين ما يزكي الطريق الثالث المهمل، الطريق الذي انقطع مرة وأخرى بجذب الانقلاب بعد ما حاق بقوى اكتوبر تحت قيادة البرجوازية الصغيرة الحضرية، وبجذب العمل المسلح بعد ما برزت ميزاته للبرجوازية الصغيرة الريفية تحت تأثير الحركة الشعبية لتحرير السودان، ذات الطريق الذي بشر به المرحوم عبد الخالق محجوب داعيا إلى العمل الصبور الدؤوب وسط الجماهير ومزاوجة الديمقراطية الليبرالية بالنشاط الثوري للقوى الشعبية. 
كما شهدت التجربة بكساد خطة الانقلاب شهدت كذلك بأن الطريق الحربي إلى الخرطوم قد ينتهي عند كراسي القصر القديم والوزارة مرورا بعاصمة أو أخرى لكنه لا يكاد يهدد تركيب السلطة السياسية والاقتصادية القائمة، سلطة “الصفوة البيروقراطية المتبرجزة” بعبارة المرحوم جون قرنق وإن كان الثمن التقسيم. ذلك لنقص في السياسة الجماهيرية، السياسة التي تحشد القوى الشعبية وتنظمها بما يتفوق على التناقضات الإثنية والمناطقية، أصالة عن نفسها وليس بوكيل حربي. لذا، فأن تسوية قصيرة أو متوسطة المدى للنزاعات الحربية في أرياف البلاد المضطهدة تشكل شرطا لانفتاح الطريق الطويل نحو اعادة تركيب السلطة عبر تحول في ميزان القوى الاجتماعية. إذ لا يمكن تحت شرط الحرب الأهلية الدائرة على رحى التناقضات بين الريف والمدينة مد الجسور اللازمة بين الخاسرين من الطرفين، المضطهدين في الريف والحضر، حيث تظل نضالاتهم المشتركة في جوهرها حبيسة التناقضات الإثنية التي لا تملك القوى المحاربة، إن كان قوى الحكم أو المعارضة، سوى تجذيرها لحشد الدعم الشعبي. تصديق ذلك ما أصاب القوى العسكرية للجبهة الثورية من خسائر عندما حاولت توسيع دائرة الحرب خارج حواضنها الإثنية، وطبيعة القوات التي  وجهها جهاز الحكم لقمع المتظاهرين في سبتمبر ٢٠١٣ ثم أصبحت قوة الردع متعددة المهام التي يستند إليها. من هذا المنظور تبدو دعوة البعث والشيوعي المتكررة للانتفاضة في الخرطوم صورة كاريكاتورية عن عملية سياسية معقدة لن يكتب لها النجاح إلا بمزاوجة هذه التناقضات الثانوية على مستوى التناقض الأولي الذي تفضل المسطول برسم خطه الفاصل، وذلك حلف المساكين الذي جاءت ساعته وغاب سايسه. 

Saturday, 16 July 2016

كده عيب: صيد اللجنة المركزية المر

أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في ١١ يوليو ٢٠١٦ بعد اجتماع يبدو أنه امتد عبر الليل قرارا بفصل الزميل الشفيع خضر سعيد، عضو اللجنة المركزية وعضو المكتب السياسي، من الحزب بحيثيات جلها تدليس. قالت اللجنة في قرارها أن الشفيع تغيب عن أعمالها وأعمال المكتب السياسي ولجنة العلاقات الخارجية وادعت أنه يهدد سلامة الحزب ثم أخيرا ذكرت ما يثير حفيظتها؛ قالت أن الشفيع خالف رأي الحزب في مسائل فكرية وسياسية ووضع نفسه بذلك خارج إطاره. 
متروك للزميل الشفيع، الذي لا ينقصه البيان، أن يرد بالتفصيل علي مزاعم اللجنة متى رأي ذلك مناسبا. أما القضية المباشرة هنا فهي أن كتلة بعينها داخل اللجنة المركزية، أفصحت عن نفسها في أكثر من موقف، ولا تجد تماسكها سوى في العداء المستميت لتيار تخشى منه المنافسة نصبت الشفيع زعيما له في بلاغات كذوب، قررت أن تسعى في تصفية كوادر الحزب التي تخالفها الرأي بالدعاية السلبية ثم التوقيف وأخيرا الفصل من الحزب. كل ذلك لا تفسير له سوي في سياق رعب هذه الكتلة مما قد يحدث في المؤتمر السادس للحزب المتوقع انعقاده في ٢٨ إلى ٣٠ يوليو ٢٠١٦، أي رعبها من فقدان مواقعها القيادية. 
قال المرحوم عبد الخالق محجوب في سياق الدفاع عن الشيوعيين أمام هجمات قوى دينية معادية للحزب نشرت بين الناس أن الحزب الشيوعي يدعو إلى نبذ الدين أن “الرجل الشريف يحارب الفكرة بالفكرة”. كان أحرى بأعضاء الجنة المركزية المتحمسين لشعاراتهم أن يجعلوا من التحدي الذي وجدوه في أفكار الشفيع المنشورة لكل من يقرأ مناسبة لشحذ أدواتهم النظرية وتجلية أفكارهم وتجميرها، فهكذا يتقدم كل فكر ويتطور.بدلا عن هذا الطريق التقدمي، طريق الفكرة تصارع الفكرة، اختارت هذه الكتلة المعلومة للشيوعيين ولسواهم أن يلاحقوا رفاقهم بالتحقيقات وقرارات العزل والفصل كأن الرأي يجتث بتكميم أفواه أصحابه، ذلك في عصر انقطعت فيه سيطرة المؤسسات مهما كانت سطوتها على التعبير والنشر إلا ما كان طوعا واختيارا. 
إن كان رأي اللجنة المركزية أن الشفيع عزل نفسه عن الحزب فهذه الكتلة المعلومة قد عزلت قيادة الحزب عن جمهوره. بل عزلت الحزب عن قاعدته الشعبية وعن مجريات الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد، حكمت عليه بالجمود كما سبق وحذر المرحوم محمد إبراهيم نقد في سياق مراجعته المقروءة لما طرأ على أفكار ماركس وانجلز. للتغطية على عجزها جعلت هذه الكتلة دثار “الماركسية.. الماركسية” كما يردد ممثلوها في كل مناسبة وبغير مناسبة درعا تصد به كل رأي لا يروق لها، وإن كان موضوعه تغيير ألوان ماكيت الميدان. قد يتساءل سائل لماذا يتطاول نفوذ هذه الكتلة في الحزب الشيوعي ولماذا تجد لها إنصارا بين عضويته الجديدة، رغم متاعبها هذه. جزء من الجواب أنها تعرض سلعة لا تبور، التراث الخالي من التاريخ والعبرة؛ جندت كل طاقتها لتدوير التراث الرمزي للحزب، ماضي عزائمه، أناشيده وصور قادته وإسمه بطبيعة الحال كأنها “حجبات” تقي من التاريخ وغدره، متى تمسك النشأ الشيوعي بها أمن الزمان وتحولاته وقاوم كل بدعة و”ماشين في السكة نمد”. 
سوى هذا الموقف السلفي لم تستطع هذه الكتلة أن تجترح للشيوعيين ما يصلهم فعلا بقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد، منتهى اجتهادها تنويعات على الدعوة إلى “إسقاط النظام” أصبحت كالذكر من فرط تكرارها بغير عناية بالتكتيك والاستراتيجية، وتنظيم القوى الاجتماعية ذات المصلحة في تغيير علاقات القوى في البلاد وصف أولوياتها، والسعي الفعال إلى شحذ قوى العمل وتأطيرها ومجابهة التصدعات التي شلت وحدتها قبل أن تنعقد، بما في ذلك التناقضات بين القطاع الإنتاجي وقطاع التوزيع (أو ما درج الحزب على تسميته بالقطاع غير الرسمي أو الهامشي)، بين الريف والحضر، بين المركز والهوامش، بين “أبناء الزبير باشا” في عبارة المرحوم عبد الخالق محجوب والقوميات المضطهدة. 
تركت هذه الكتلة في اللجنة المركزية كل ذلك واختارت من تراث العمل السياسي في البلاد أسهله صنعة وأكثره ضررا، أدارت ظهرها لمهامها النضالية ووجهت سهامها نحو خصوم داخليين، جعلتهم في خيالها سببا لبلاوي الحزب ما ظهر منها وما بطن، وصورت لمناصريها أن الحزب سيصفى معدنه بعزلهم وتنفتح أمام تقدمه السبل. لذا ربما، احتفلت جماعة في الحزب بفصل الزميل الشفيع وهللت كأنما انتصرت على عدو غشيم، قل الامبريالية أو الاستعمار. لا يشغلهم أنهم بسن سنة خبيثة كهذه مدوا للتسلط في الحزب وأجازوا لقيادته أن تطيح بعضوية كل من يخالفها الرأي أو يواجهها بالنقد، بل قد تعزل ذات الكتلة في اللجنة المركزية بعضا من هؤلاء الأنصار بذات الطريقة المعيبة متى رأت منهم مخالفة أو استقلال. 
كان المأمول أن يساعد المؤتمر السادس للحزب وما يتصل به من عمل على تجديد الحياة الداخلية فيه وتطوير تركيبه القيادي. بدلا عن ذلك، استعدت قيادة الحزب المرعوبة لهذا التمرين الديمقراطي بالتخريب ولربما عطلت المؤتمر بالمرة إذا اتضح لها أن كل ما فعلت ليس كاف لاستمرارها. يتوجه الشيوعيون نحو المؤتمر السادس وشاغلهم الأول الشقاق التنظيمي الذي وصل مداه بالعزل والفصل، لكن المهمة الملقاة على عاتق أعضاء المؤتمر المنتخبين أن ينهضوا بحزبهم من هذه الكبوة ويتجاوزوا جحر الضب الخرب هذا إلى آفاق جديدة تتفتح فيها مائة زهرة وتتنافس مائة مدرسة فكرية في حزب يثقف السياسة بالفكر والعمل بالعلم. 
لا يحتاج الزميل الشفيع تزكية من مثلي فهو مناضل أفنى السنين في خدمة القضية التي يؤمن بها متفرغا للعمل السياسي، لكن في هذه الساعة التي استسهل فيها زملاؤه رميه بالتهم الجزافية وجب علي وعلى غيري ممن يعرفون فضله أن يصدحوا بالنصيحة. قد تنتهي رحلة الزميل الشفيع مع الحزب الشيوعي عند هذه المحطة أو قد تتجدد، لا أعلم، لكن مساهمته في قضايا الثورة السودانية، إن كان عمله السياسي أو جهده الفكري، ما نتفق معه فيه وما نختلف،  قائمة لا تلغيها القرارات المكتبية، ومكانته وسط المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية والاشتراكية محفوظة لا يطعن فيها التبخيس المجاني. 

Thursday, 2 June 2016

عن المعارضة - حوار مع الرشيد سعيد

https://www.dabangasudan.org/en/milafaat-detail-en/milafaat-sudania-الاستاذ-مجدي-الجزولي

Wednesday, 25 May 2016

Hassan al-Turabi: praying to the state

Death ended Hassan al-Turabi’s long political career last March in the most suitable of places. Hassan collapsed in his office in the headquarters of the Popular Congress Party (PCP) in Khartoum’s upscale Riyadh neighbourhood as he was going about his daily business as party leader. He passed away in Royal Care Hospital, the top private health care facility in Sudan. The physicians treating him broke their Hippocratic oaths sharing details of his clinical condition on social media in apparent glee. In Hassan al-Turabi’s theology, this office death would equate with death on a prayer mat, prostrate in praise of the Lord. It was actually this claim that political action for the good of Islam was a spiritual matter, equal if not superior to actual prayer, that constituted his most significant contribution to the politics of the Muslim Brotherhood. In the mid sixties Hassan al-Turabi led a sectarian split from the Sudanese version of the Muslim Brotherhood, modelled after Egyptian precedent, precisely on these grounds. 
The debate at the time was framed as one between the ‘educationalist’ and the ‘political’ bloc. The first advocated a gradualist transformation of society through the education of individual members to become pious Muslims who could then inspire others. Turabi, on the other hand, was unsatisfied with the inherited notion of piety. A pious Muslim has the duty to face the challenges of the modern world, he argued, and these he located primarily in the nation state and the market. A modern Muslim’s engagement in the struggles of power, politics and business, is a form of ibada meaning servitude to Allah, Turabi opined. The position that Turabi advocated would allow a man like Nafie Ali Nafie, Sudan’s spy chief during the early 1990s, to torture opponents with impunity as a spiritual duty born out of the obligation to defend an Islamic political order. At the time Turabi made these arguments these events were in the distant future, and his reasoning was not only attractive but of epochal consequences. Young Sudanese Muslim men and women, who passed through school and university education and crossed class and racial barriers as they did so moving up social hierarchies, were in search of a way to live out their faith in Islam as well as their baptism in modernity in political terms. Many found Turabi’s reasoning enlightening and empowering. When speaking of this era Turabi fondly recalls that the Islamic Movement of the sixties and seventies was a fraternity of equals with no ‘sheikh’ standing above to dictate decisions, and he his partially true. He only ignores that the Islamic Movement’s inner democracy was a victim of his eminence. He continued to lead the Islamic Movement since that eventful conference in 1964 until he ordered its dissolution in 1989 with pervasive authority. His critics within the Islamic Movement vanished from the scene one by one in defeat. The Islamic Movement was Turabi’s horse as it were. He sacrificed it for the stable of the state. 
In this Khalduniyan cycle of growth and decline, the Islamic Movement under Turabi offered its members, largely young men and women from small town backgrounds, a brotherhood and more important probably a sisterhood of equals. Men from affluent Khartoumian backgrounds like Ghazi al-Attabani fraternised with the Zaghawa Khalil Ibrahim and the Shilluk Mango Ajak under the banner of Islam. The assumed organic unity of faith was far from sufficient to address the deep historical divide between the riverine heartland and the peripheries of the country. Rather, the Islamic Movement proved a catalyser of fissions and the version of Islam it employed to win the state divisive and deadly evolving as an ideology of the state into a punishing racist doctrine of exclusivity rather than the universal challenger of zulm (injustice) that Turabi preached.
Whenever he enraged the state, Turabi could count on the shield of kith and kin to spare him the most rabid reactions of the powerful. As the heir of a Sufi hero married to a granddaughter of the Mahdi, Turabi could pursue his dream of power with remarkable bravado. He knew how to navigate and utilise riverine Sudan’s system of privileges while he railed against it. Turabi was a frequent inmate under Nimayri and under Bashir but his life was too connected to be cut off. Nimayri killed Abd al-Khalig Mahjoub, the former leader of the Communist Party, on accusation of responsibility for the abortive 1971 coup but spared Turabi after the 1976 raid against Khartoum from Libyan bases in which the Islamic Movement was full blown partner.Turabi, a school friend of Nimayri, reaped the benefits of the bloody operation in the form of a reconciliation with the rayes. Mohamed Nur Saad, the officer who led the campaign, was executed and Turabi became a minister. The alliance with Nimayri was crucial to the Islamic Movement’s eventual rise to power in 1989. Bashir incarcerated Turabi several times for alleged ties to the Justice and Equality Movement (JEM) but sat at his deathbed in Royal Care hospital. Khalil Ibrahim, the leader of the JEM and a veteran mujahid, gasped his last breath under a tree close to Wad Banda, North Kordofan, in an airstrike targeting his convoy. 
Turabi argued his way through the contradictions of his political career by claiming that the Islamic Movement was continuously under threat from its adversaries and behind them Western powers intent on extinguishing the very possibility of an Islamic polity. Hence, he reasoned, it was justified to strike the alliance with Nimayri the dictator and US ally, and to carry out a military coup against a parliamentary system in which the Islamic Movement was kingmaker. Turabi’s anti-colonial drive, genuine as it might be, targeted the capture of the state inherited from the colonial order, a mission he did achieve. Beyond that objective, Turabi’s reworking of the state accentuated its coercive and extractive character and did little to domesticate it in favour of the peoples it reigned over. The state he was forced to part with in December 1999 when President Bashir declared a state of emergency and dissolved parliament was an angry beast that wages war as a form of governance and still continues to do so today, not unlike its colonial predecessors. Turabi’s anti-colonialism is more ambivalent than it seems. You could listen to him dismiss Western education as a tool of cultural hegemony in terms a bit more subtle than Boko Haram and brag about his London Masters and Sorbonne doctorate in the same salvo of rhetoric. The sheikh as he came to be known believed in Western modernity but preferred to phrase his belief in an Islamic idiom. 
Abd al-Wahab El-Affendi argued recently that Turabi’s true legacy, the embodiment of his intellectual contribution to Islamic reform, is Ennahda Movement in Tunisia given Turabi’s influence on its leader Rashid al-Ghannoushi. The admired Turabi here is the pan-Islamic champion of freedoms for women, universal shura, arts, sciences and sports; the mufti of modernity who fuses al-Shatibi and Hegel and is ready to challenge centuries of Islamic reaction. A keen disciple might manage to selectively patch together this image of Turabi from his written and spoken record. He actively nursed this image as an oppositionist during an era when ‘political Islam’ was a newly minted brand. Indeed, Turabi enjoyed stellar success with young women from small town Sudan who were seeking to overcome patriarchal barriers to their education and careers without breaking with the social system in which they were embedded. The left’s inability to think the Muslim woman limited the attraction of its agenda for emancipation despite a remarkable record in the 1950’s and 1960s. Turabi picked up where the left appeared handicapped. For a while, the charismatic Dr. Hassan enjoyed the status of a rockstar among women believers in the cause. The hijab which Turabi promoted to replace the cumbersome tob appeared to the cosmopolitan women of upper and middle class Khartoum a detestable symbol of suppression. The aspiring Muslim woman of small town and rural Sudan though found in the hijab a ticket to the opportunities of the capital city and the wider world and a legitimate licence to flout the gender barriers and roles of her upbringing. 
In power, Turabi drew on the human resources that the Islamic Movement provided, the young men and women who looked up to him as a Mahdi of the new age, to cement the power he shared with the military officers of 1989. Rather then reinvent Islam for the lofty emancipatory purposes that El-Affendi claims were inherited by Ennahda, Turabi invested in war as a tool of nation-making. The faithful of the IslamicMovement, the Manshiyya resident cheering behind, flocked to the war fronts in southern Sudan to wage a jihad against their fellow citizens. When his purposes changed Turabi signed a political accord with the Sudan Liberation Army/Movement (SPLA/M) under John Garang, the very enemy he declared a legitimate target of holy war, earning himself several months in prison. Some of the faithful jihad veterans could not stomach the new twist and escaped the harsh realpolitik of the sheikh to the cushion of Sufi spirituality. The core Islamic Movement as such did not recover from the Turabist rollercoaster and is today a hollow structure displaced wholly by the ruling National Congress Party (NCP). Contrary to expectations, the NCP mutated beyond the control of its founder Hassan al-Turabi when his disciples turned against him preferring the shield of power under the command of the military to the trappings of Turabi’s transnational ambitions. The sheikh miscalculated and lost. He pursued a politics of anger for a decade before reversing course once again to become Bashir’s main partner in ‘national dialogue’. Turabi’s PCP rehashed the old argument of imminent threat saying the fate of the Muslim Brotherhood in Egypt informed the decision. Hassan al-Turabi’s legacy, I presume, is not Ennahda whatever his influence was on al-Ghannoushi and his followers but the NCP and the injunction of prayer to the state. 

Monday, 11 April 2016

التغيير الآن.. بيانكم بطرفنا

أصدر الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني تصريحا صحفيا عن مداولات اجتماع اللجنة المركزية لحزبه في دورة انعقادها الاستثنائية يومي ٢٥ و٢٦ مارس. ناقشت اللجنة المركزية موضوعات ذات أهمية بالغة نظراً لما كان يدور في الحزب من صراع. لا غرابة أن يثير تقرير اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي جدلا ونقاشا واسعاً بين ناشطين سياسيين ومتابعين ومراقبين منذ صدوره. لكن تصريح يوسف حسين أكثر ما أثار حفيظة حركة التغيير الآن التي مستها منه فقرة تحدثت عن ضرورة دراسة حركة التغيير الآن تنظيميا وفكريا. فوق ذلك قالت اللجنة أن الحركة ربما كانت مكانا صحيا لإرضاء طموحات الشباب القيادية لكنها متهمة عندها بالتسبب في ربكة كبيرة أثناء احتجاجات سبتمبر ٢٠١٣ بمحاولة فرضها تنسيقية للثورة على الأحزاب. نبه الحزب في فقرة عامة إلي ضرورة الانتباه بالدراسة والتحليل إلى ظواهر الحركات السياسية الاجتماعية الشبابية ، وهو أمر تأخر كثيراً منذ أحداث الربيع العربي وتغيير بعض الأنظمة في الاقليم بقوة الشباب الطامح إلى حياة جديدة. 
طالما نبه الحزب إلى دراسة وتحليل التغيير الآن التي تجمع بعضا غير قليل من عضويته فالأبواب مفتوحة لمناقشة موضوعات ذات صلة بالتحولات الاجتماعية التي جعلت من الأحزاب القائمة مؤسسات طاردة لطموحات الشباب القيادية، لا شك في ذلك. تأسست حركة التغيير الآن في مايو ٢٠١١ في ظل إحباط سياسي أعقب انتخابات ٢٠١٠ وانفصال الجنوب في يناير ٢٠١١، بعض منه سببه ما أصاب الناشطين الذين انخرطوا في حملة ياسر عرمان الرئاسية - الأمل والتغيير كما سماها - من صدمة بعد انسحابه من السباق، ثم حقيقة استقلال جنوب السودان. انحسرت مع استقلال الجنوب خطة للفوز بالحكم ظلت تراود طائفة من الليبراليين السودانيين منذ الثمانينات آلتها الائتلاف مع القوى المسلحة المناهضة للسلطة في الخرطوم والتبشير بها من مواقع النشاط المدني، وهي خطة تدهورت مع مرور الوقت إلى غرام لا فكاك منه بالمذكرة الفصيحة اللاهجة بحقوق الإنسان للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والبرلمان هذا أو ذاك. 
عرفت التغيير الآن نفسها في ميثاقها الأول في مايو ٢٠١١ بأنها تكونت من مجموعة من “الشباب” شعروا بضرورة وجود جسم وآليات عمل جديدة في الوسط السياسي ، حفزتهم بعد وقت قصير من نكبة الانفصال  ثورات الربيع العربي وما أنجزته من تحولات. عرف الميثاق الحركة بأنها حركة تغيير سياسي واجتماعي انحدرت عضويتها من فصول الدراسة وميادين كرة الدافوري وورش العمل وسقالات الطُلبة، أي سمك لبن تمر هندي بأي مقياس أخذت. واقع الحال، أن الحركة جمعت أصدقاء ومعارف، فهي شبكة اجتماعية إذا صح التقدير يندرج فيها المرء من واقع تجربة مشتركة بل لغة مشتركة حتى، هي تجربة التعليم الجامعي في حضر الخرطوم خلال التسعينات وأول الألفية الجديدة وخطاب المعارضة السياسية في تلك الفترة وأدبها. غير ذلك تعسر على التغيير الآن أن تتسع لمن لم تجتمع عنده هذه المعارف، فبين عضويتها “رطانة” الجامعة مثل رندوك المنطقة الصناعية، لا تفك شفرته إلا بالمعاشرة. لا يقدح هذا في الزمالة بين شباب وشابات التغيير الآن لكنه يقدح في مقدرتها أن تنهض بالمهام التي ألزمت بها نفسها في الميثاق المذكور.
ألزمت الحركة نفسها بأربعة عشر هدفا تبدأ بإسقاط النظام وتفكيك مؤسسات السلطة القائمة إلى معالجة مصاعب المحالين للصالح العام في العام ١٩٨٩، وقت كان أغلب عضوية الحركة في التعليم الأولي. فوق ذلك ألزمت الحركة، التي قالت عن نفسها في موقع آخر أنها غير مشغولة بالفوز بالسلطة، بمجانية التعليم والصحة ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لسياسات الانقاذ متطاولة العهد. في نهاية ميثاقها، قالت الحركة أن البديل الذي تطرح هو سلطة الشعب وآلية الانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي، لكن خجلت أن ترشح نفسها لهذه السلطة، مع علم كتاب الميثاق التام أن سلطة الشعب في الديمقراطية التي يبشرون بها لا تتأتي مباشرة وإنما عبر التفويض النيابي والمداولة الحزبية. على كل، بشرت التغيير الآن بوسيلة الانتخابات وبتحقيق أهداف جليلة عظيمة، لكن “زاغت” من سؤال السلطة بعذر أنها شبابية احتجاجية، أي في هذا السياق لا تقوى على المسؤولية ولا تريدها. 
لا غرو إذن أن الحركة ظلت تعاني من أزمة هوية، وصدر من قادتها ما يؤكد الانشغال بهذه الأزمة، فهي ليست حزب سياسي وهي ليست منظمة طوعية، وربما الأقرب إلى مزاج قادتها أن تكون جماعة ضغط لا يصدر منها صوت تنظيمي وسياسي سوى البيان المطول، مثال ذلك، البيان الذي أصدرت الحركة للرد على تعليقات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. أخذ الحزب في بيانه على الحركة أنها أربكت الشارع السياسي خلال أحداث سبتمبر ٢٠١٣ بدعوتها إلي تنسيقية للثورة، تصور أخذته مباشرة من قاموس الربيع العربي، ففضلت تنسيقية على “منسقية” المعروفة عندنا لدى الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية وزاحمت به قوى الإجماع الوطني، حلف المعارضة الرسمية. الواقع،أن الطرفان لم يستطيعا تقديم قيادة يعتد بها لمتظاهري سبتمبر الذين حصدت منهم قوى الأمن أرواح عديدة، فلا التغيير الآن بشبابها ولا قوى الإجماع الوطني بمخضرميها جعلا من قوة المتظاهرين في سبتمبر فعلا سياسيا تتطور به الحركة الجماهيرية، انشغلا بالخصومة على الغنيمة القيادية ودقائق الحضور الإعلامي في القنوات الفضائية دونا عن مسؤولية القيادة في وقت لعلع فيه الرصاص في الحواري يصطاد النفوس. إن كانت قوى الأمن استعدت لمثل هذه الاحتجاجات بعد قرار رفع الدعم بالقوة النارية فالمعارضة رسمية وشبابية سيان تفاجأت بالمتظاهرين واستقبلتهم بالبيانات لا غير، تنسيقية وما إلى ذلك.
تنشد التغيير الآن التعبير عن الشباب الذين فقدوا الأمل في السياسة الحزبية، وهو مسعى يجب أخذه على محمل الجد، فالشباب من الفئة العمرية دون ٣٤ يمثلون ٦٢٪ من سكان البلاد، ربعهم تقريبا يعيشون في مناطق حضرية. تجابه التغيير الآن في هذا المضمار منافسة قوية، أول ذلك من قوى الأمن التي تجند بالآلاف من ذات الفئة العمرية، ثم القوى المسلحة المعارضة للسلطة التي لا قوام لها سوى بالشباب المقاتلين والمليشيات الأهلية التي أصبحت شراكات “ذكية” لكسب العيش وسائل إنتاجها السلاح. لا يكفي إذن أن تميز التغيير الآن نفسها بلحن الشباب إلا في حدود المصاعب التنظيمية التي تجابه عضويتها داخل أحزابها الأم. بذلك، فإن التغيير الآن لم تستطع التعبير عن الشباب كفئة عمرية، كما تنشد، وإنما تمثل في مجملها قناة مواتية لطموحات الساعين إلى الصعود القيادي في أحزابهم لكن انسدت في أوجههم هياكل الأحزاب واجتمعوا على الشكوى منها في منظمة موازية فوق عضويتهم الأولى في منظمات حزبية شتى. 
قالت التغيير الآن في بيانها الذى ردت به على الحزب الشيوعي أنها عقدت مؤخرا مؤتمرا سياسيا “جرى من خلاله تبديل كامل مواقع العمل القيادي وتمت عملية التسليم والتسلم وفق مقتضيات وشرائع الديمقراطية التي نصارع من أجلها ونسقط في سبيلها.” عقدت التغيير الآن فعلا مؤتمرا في فبراير ٢٠١٦ لكن حجبت قيادتها الجديدة كما حجبت من قبل قيادتها القديمة. لم تصدر من مداولات المؤتمر سوى خلاصة عامة إذ حثت الحركة في بيان مؤتمرها على ضرورة التحالف بين القوى ذات المصلحة في التغيير لإسقاط النظام وإقامة البديل الديمقراطي. من يقرأ هذه الخلاصة كأنما يقرأ بيانا لقوى الإجماع الوطني أو الجبهة الثورية (مالك عقار) أو الجبهة الثورية (جبريل إبراهيم) أو قوى المستقبل (غازي صلاح الدين)، لم تضف التغيير الآن ولم تنقص شيئا، ها هي تسعى طريق الكتل السياسية المعلومة لا تحيد عنه. بل ربما كان حزب ميادة سوار الدهب أكثر فعالية في هذا المسلك، وجدت صاحبته لنفسها مقعدا في مقابل الصادق المهدي ثم آخر في جوار غازي صلاح الدين بينما ظل جماعة التغيير الآن على “فيسبوك” يناطحون الغياب فلا شقوا طريقا مستقلا للعمل الجماهيري ينهضون بقوة الشباب كما ينشدون ولا رضوا بمجالس الأحزاب يقاسمونها البيانات. علة ذلك ربما، أن التغيير الآن رغم انتقادها الأحزاب القائمة عدمت وسيلة تقترب بها من جمهور الناس سوى هذه الأحزاب نفسها وها هي تطلب حلفها، كما عدمت تصورا للقوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير (بحسب صيغة البيان). 
لم تنشغل التغيير الآن منذ نشأتها كثيرا ببناء قاعدة شعبية حتى بين الشباب الذين صدحت بهمهم، كما لم تول مسائل التنظيم اهتماما يذكر، لكن ظلت منكبة على مناكفات السياسة العليا، إذا صح التقدير، جاء أمبيكي وذهب أمبيكي، قالت الجبهة الثورية ولم تقل، وأوفدت مناديبها للاجتماع بهذا السفير وذلك وبممثل الخارجية الفلاني ومسؤولة الشؤون الافريقية الفلانية، ولاتثريب. لكن أليس هذا النوع من السياسة هو ذاته الذي خرجت التغيير الآن لتغييره أم أن للصوالين فتنة لا يقدر على مقاومتها حتى أبناء وبنات الحركة الطلابية أخوان وأخوات المرحوم محمد عبد السلام. كان الأمل في التغيير الآن التي تنتصر لسياسة أخرى، تحيا بالناس وليس بالبيانات. إن كان في تعليقات الحزب الشيوعي حول التغيير الآن غرض يتصل بمصاعب قيادة الحزب مع عضويته المنخرطة في الحركة فأن ذلك لا يعفي الحركة من أن تنظر مطولا في المرآة التي رفعها الحزب في وجهها وتقرر ما العمل، ولصالح من؟ الخشية في الواقع، أنه في غياب تحليل للقوى الاجتماعية يرشدها وارتباط تنظيمي بقوى شعبية يلجمها بمسؤوليات نحو جمهور يحاسبها أن تنتهي حركة شاردة مثل التغيير الآن إلى مغامرات مشؤومة كالتي أوقعت “الثوار” المصريين في فخ الانقلاب، من الثورة في ٢٥ يناير إلى الثورة المضادة في ٣٠ يونيو زي الما حصل حاجة. 

عارف الصاوي ومجدي الجزولي 





 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.