Friday, 30 September 2016

عند خارطة الطريق: أي الطريقين أرشد؟

تورطت فصائل قوى الاجماع الوطني بحماس شديد في منازعة حول الموقف من خارطة الطريق الافريقية حتى انقسمت فرقتين: الرافضة الذين يرون في خارطة الطريق خيانة ليس بعدها، فهي عين “الهبوط الناعم” سئ الذكر ومما لا يليق بقوى ثورية تريد الاطاحة بنظام المؤتمر الوطني عبر الانتفاضة الشعبية، والمؤتلفة مع قوى نداء السودان، المحاربة منها والمسالمة، التى أقرت خارطة الطريق بعد تردد وتنتظر أن تخرج من جولات التفاوض في أديس أبابا بما يخدم هدف التغيير السياسي في البلاد. تبادل الطرفان الاتهامات خاصة بعد أن أصدر روافض الاجماع الوطني قرارا بتجميد عضوية كل من قبل بخارطة الطريق، أي المؤتمر السوداني ومن في صفه. بل اتهمت قوى الاجماع بالداخل، أي المؤتمر السوداني والأمة القومي ومن في صفهما، قوى عروبية في الاجماع، أي البعث العربي الاشتراكي، بتفكيك المعارضة لهواجس عندها تجاه المجتمع الدولي زاد من حدتها انهيار شموليات البعث في الجوار العربي. عبرت قوى نداء السودان بالداخل عن أسفها على حال الحزب الشيوعي الذي انجر كما قالت إلى مناصرة “طواحين الهواء” في البعث العربي الاشتراكي حيث انعقد حلف غير معلن بين الشيوعي والبعث العربي الاشتراكي بعد صعود الخطيب إلى قيادة الأول، استقر وتعزز بما حقق الخطيب وكتلته في مؤتمر الحزب السادس، ثم أعلنت آخر الأمر اعتزالها حلف الاجماع الوطني بالكلية. قالت الحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) من جانبها أنها صدمت من قرارات روافض الاجماع وزادت أن مجهوداتها ومجهودات القوى الوطنية في توحيد المعارضة اصطدمت بتيار ايديولوجي معاد لقضايا التنوع والهامش يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي لرئيسه علي الريح السنهوري الذي يتوارى في زعمها خلف ستار شعارات اسقاط النظام ومعاداة الامبريالية. 
يمكن بيسر السخرية من الطرفين فنزاعهما على سمن سيأتي من لبن ليس لديهما إلى بقرته سبيل، لكن لا تنفع السخرية لوحدها في تقصي عظمة هذا النزاع على هزليته. بل ربما ساعد هذا النزاع على كشف دروب جديدة للتحرر لا تمر بنادي الصفوة السياسية، دروب تصل السياسة بمصالح الناس وفيها يلتقون لا على معارضة الانقاذ وكفى، بعون المجتمع الدولي أو برغمه، وإنما على الحياة المشتركة والنهضة الوطنية. من أعاد قراءة الفقرة أعلاه وجد منتهى الملاواة بين الطرفين حول الموقف من خارطة الطريق بعد أن اصبحت واقعا وانعقدت على أساسها جولة التفاوض السابقة في أديس أبابا في مساريها بين الحكومة والحركة الشعبية والحكومة وحركتي العدل والمساواة وتحرير السودان (مناوي). احتج البعث والشيوعي قبل ذلك على خارطة الطريق ورفضا التوقيع عليها بإسم قوى الاجماع لكن انهزمت خطوتهما بخروج المؤتمر السوداني على حلف الإثنين ومشاركته في اجتماعات نداء السودان التي انتهت إلى التوقيع على الخارطة، ثم انهزمت مرة أخرى بتواصل التفاوض بين الحكومة والقوى المسلحة على أساس خارطة الطريق. بذلك، أصبح احتجاج البعث والشيوعي الحالي على خارطة الطريق، وقرارهما تجميد عضوية كل من قبل بها من قوى الاجماع، قرارا غير ذي موضوع، فلا البعث ولا الشيوعي مناط بهما التفاوض مع الحكومة ولا بيدهما حيلة مباشرة في الصراع العسكري في المنطقتين، جنوب كردفان والنيل الأزرق، ودارفور، وليس لهما أن يقررا في مواضيع التفاوض أو منتهاه نيابة عن القوى المسلحة. بذلك فإن اصرار البعث والشيوعي على خارطة الطريق كموضوع للاحتجاج يدخل الإثنين في تناقض المطالبة بالحل السلمي التفاوضي للنزاعات المسلحة في البلاد، كما تقول بذلك أدبيات الاجماع، ومعارضة الحل السلمي برفضهما الأساس الذي يقوم عليه التفاوض في واقع الحال. قد لا يستغرب هذا الموقف من حزب حربي الطباع كالبعث العربي الاشتراكي لكنه مستغرب من الحزب الشيوعي الذي رعى شعار الحل السلمي الديمقراطي للنزاعات المسلحة ذات الأساس القومي منذ خمسينات القرن الماضي وبشر بالحكم الذاتي وتقرير المصير دون تلكؤ وقت كانت دعوته التقدمية نشازا على لحن “أمة أصلها في العرب”. 
تشغل البعث والشيوعي البنود التي تتصل بالحوار الوطني، والتي تعترف بحوار الوثبة كبداية لعملية “الحوار الوطني السوداني” في عبارة الخارطة لكن تصفه بأنه لم يشمل جميع الأطراف، وتذكر تحديدا الأطراف الموقعة على الخارطة، كما تدعو لجنة ٧+٧ إلى اجتماع يلتئم في أديس أبابا مع فصائل خارطة الطريق للبحث في الخطوات اللازمة لتحقيق شمولية الحوار. انزعج البعث والشيوعي أيما انزعاج من ذكر حوار الوثبة في أي صيغة كانت بحجة أن خارطة الطريق تمهد لأن يلج الجميع قاعة الصداقة صاغرين، ومن ثم يفتح الباب واسعا لتحقيق خطة “الهبوط الناعم” المزعومة. وردت عبارة “الهبوط الناعم” هذه أول ما وردت على لسان المبعوث الصيني الخاص إلى دارفور، ليو غويجين،في اكتوبر ٢٠٠٨. وقتها، دعى المسؤول الصيني بعد سلسلة محادثات في باريس ولندن وواشنطن إلى “هبوط ناعم” يحول دون اصدار أمر إدانة ضد الرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية. قفزت العبارة مرة أخرى إلى السطح في الفترة التي سبقت انتخابات ٢٠١٠. عبر مسؤولون في البيت الأبيض وقتها عن ضرورة تأمين “هبوط ناعم” للرئيس البشير والسودان الشمالي يحول دون أن تعرقل الخرطوم الاستفتاء المنتظر على مصير جنوب السودان. تكررت العبارة بذات المعنى على ألسن قادة كبار في الحركة الشعبية لتحرير السودان حينها أبرزهم ربما لوكا بيونق دينق، لكن لم تكتسب رنينها الحالي إلا بعد أن ضمتها مقدمة تقرير لمجموعة الأزمات الدولية صدر في مارس ٢٠١٥ حول مآلات الحوار الوطني. قالت مقدمة التقرير: “تتضاءل فرص نجاح الحوار الوطني الشامل الذى دعى إليه الرئيس البشير في يناير ٢٠١٤، ما يثير مزيدا من الشكوك في امكانية هبوط ناعم ينهي أزمات السودان. بذلك تأكدت مخاوف من حذروا من أن الحزب الحاكم غير راغب وغير قادر على القيام بالتنازلات المطلوبة”. 
اقترح التقرير الذي سبق الانتخابات العامة في أبريل ٢٠١٥ جملة خطوات قال أنها يمكن أن تعزز فرص نجاح الحوار اختصارها الضغط على الحكومة والمعارضة للمشاركة في اجتماع تحضيري للحوار الوطني تشغل فيه لجنة أمبيكي دور الوسيط؛ تشجيع المعارضة والقوى المدنية الأخرى على صياغة موقف موحد بتيسير من دولة ثالثة محل ثقة الأطراف (المبادرة التي ترعاها ألمانيا)؛ دفع الحكومة والمعارضة إلى التعاطي الايجابي مع استراتيجية لجنة أمبيكي الداعية إلى عملية تفاوضية متوازية ذات مسارين، المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) ودارفور؛ اقناع الصين بتوجيه استثماراتها في السودان لمخاطبة عدم المساواة الاقليمية التي تغذي الحروب. إن كانت هذه تقنيات الهبوط الناعم وقد تضاءلت فرصه فقد فصلت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته في نوفمبر ٢٠١٢ بعنوان “السودان: اصلاح عميق أم مزيد من الحرب” رؤية للتحول السياسي في السودان لم ترد فيهاعبارة “هبوط ناعم” لكنها تعتبر القاعدة التي قامت عليها اقتراحاتها التالية. استعرض تقرير نوفمبر ٢٠١٢ توازن القوى آنذاك بين الحكومة والمعارضة، المسلحة التي اجتمعت في الجبهة الثورية والسلمية الحزبية، وخلص إلى أن ميزان القوى لا يسمح لأي من الأطراف بتحقيق مطالبه القصوى، ومن ثم زكى تسوية ما بصيغة تحقق تحول سياسي مقبول وتحول دون انتشار الحرب. في هذا السبيل اقترح التقرير على حكومة السودان أن تدعو المؤتمر الوطني الحاكم والقوى المعارضة إلى صيغة حكم مؤقتة بمواقيت محددة وعلى أساس مبادئ متفق عليها بهدف الوصول إلي وقف شامل لاطلاق النار وايصال المساعدات الانسانية إلي مناطق النزاعات إلي جانب صياغة خارطة طريق تنتهي بالوصول إلي سلام شامل؛ اطلاق عملية سياسية تجمع قوى المعارضة المسلحة والمدنية بهدف الاتفاق على نظام للحكم ينهي الصراعات المسلحة في البلاد ويؤدي إلى صياغة دستور دائم للبلاد؛ تنفيذ جملة من الاصلاحات القانونية والقضائية من ضمنها تعيين قضاة مستقلين بما ذلك في المحاكم الخاصة، ضمان استقلال القضاء ومراجعة اجراءات التحقيق والنيابة وسلطات التوقيف الشرطية والأمنية؛ محاسبة القوى النظامية على انتهاكاتها للقانون الدولي الانساني؛ تعديل بنود القانون التي تؤمن الحصانات لأفراد الشرطة والأمن. اقترح التقرير على أعضاء الجبهة الثورية كبح مصالحهم الخاصة لصالح التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة تشكل اطارا للتحول السياسي والعمل على توسعة القاعدة الشعبية للمعارضة والدعم الشعبي للتحول السياسي. من جهة أخرى اقترح تقرير نوفمبر ٢٠١٢ على حكومة جنوب السودان تشجيع الجبهة الثورية وقوى المعارضة السودانية الأخرى على ادراك أن تحولا حسن الادارة أجدى من خطة الانقلاب أو التحول السياسي العنيف بما قد يصاحبهما من فوضى.
وجهت مجموعة الأزمات الدولية اقتراحاتها الأهم إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الافريقي والجامعة العربية، وهي الاقتراحات التي تشكل عقدة “الهبوط الناعم” إذا جاز التعبير: العمل على حل موحد وشامل لنزاعات السودان المتعددة؛ عرض جملة من المحفزات على الرئيس عمر البشير وصفوة الحكم في المؤتمر الوطني لتشكيل حكومة انتقالية ووضع السودان بحزم في سكة التحول السياسي من ضمنها المساعدة في استقرار الاقتصاد، رفع العقوبات، التسريع باستفادة السودان من مبادرة الدول الفقيرة الأعلى مديونية واجراءات أخرى لاعفاء السودان من الديون بشرط تحقيق واجبات خارطة طريق التحول السياسي وتحقيق تقدم في المحادثات مع جنوب السودان حول قضايا ما بعد الانفصال، توجيه طلب إلى مجلس الأمن باستغلال المادة ١٦ من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية لتأجيل اجراءات مقاضاة الرئيس البشير لمدة عام ذلك بشرط أن تتخذ الحكومة اجراءات ملموسة في اتجاه الانتقال السياسي ومتى ما ظهر أن طلب توقيف الرئيس البشير يمثل عقبة حقيقية تمنع الانتقال السياسي، هذا دون الزام المجلس بتجديد هذا التأجيل إن تراجع الرئيس البشير عن التزاماته؛ دعم عملية الانتقال السياسي من خلال التدريب وبناء القدرات بما يمكن من تكوين ونمو أحزاب قائمة على القضايا تمثل مهمشي السودان وتعبر عن مطالبهم بما في ذلك سكان المناطق النائية والشباب والنساء وفقراء الريف والحضر. 
يبدو من قرائن الأحوال أن قوى الحكم اهتبلت الفرصة المعروضة عليها فخرج البشير في خطاب الوثبة بما يعتبر شكلا صيغة للحوار الوطني، يحفزها تحذير الغضب الشعبي في سبتمبر ٢٠١٣. جذبت هذه الصيغة أول الأمر القسط الأكبر من قوى المعارضة الحزبية بمشاركة حزب الأمة، لكن سارت الأمور على غير ما يشتهي الصادق المهدي إذ أصرت الحكومة على مقعد القيادة في الحوار الوطني وتلكأت خطواتها فيه تنتظر جزرة المجتمع الدولي التي لم تعدو حتى الآن حد “الضواقة”. أصرت الحكومة في رعشة ديمقراطية على مساواة المشاركين في الحوار، من في صفها كمعارضيها كأسنان المشط، كل من آنس في نفسه كفاءة الحزب استحق صوتا، فرفضت صيغة الصادق المهدي القائمة على أفضلية “الأحزاب التاريخية” وتجريد أحزاب “الفكة” في عبارته من مواقعها. تصديقا لمطلوبات “الهبوط الناعم” سئ الذكر ائتلفت أطراف الجبهة الثورية وحزب الأمة وأحزاب الاجماع الوطني وقوى المجتمع المدني تحت لواء نداء السودان، فهي أيضا لم تملك سوى مسايرة المجتمع الدولي في الذي طلب أملا في التغيير. إن استعدت الحكومة لاستحقاق الحوار بتوسيع ساحة المناورة عدمت المعارضة الحزبية السبل لتجنيد القوى الجماهيرية خلف مطالبها، فوقفت في سبتمبر ٢٠١٣ موقف المتفرج ثم ما لبثت أن استكانت كلية إلى الخطة التي يسبها البعث والشيوعي اليوم باعتبارها مؤامرة امبريالية، تدعو إلى الحوار وتأنف منه وتدعو إلى الانتفاضة الشعبية ثم “تنط” كما فعلت حين جاءها تلاميذ المدارس بقمصانهم الدموية. 
لماذا يخاتل البعث والشيوعي الآن بالثورة، وقد كانا ضمن قوى الاجماع الوطني طرفا في نداء السودان وشاركا في اجتماعات برلين وباريس التي دارت في عمومها حول خطة الانتقال التي بشرت بها تقارير الأزمات الدولية والتقى ممثليهم ومنهم الخطيب، سكرتير الحزب الشيوعي، ولا بد بالوسطاء الدوليين الذين تركزت مهمتهم في تسويق هذه الخطة وتحفيز القوى السياسية على القبول بها وقد عدموا سواها؟ لماذا بدت لهم عيوب هذه الخطة فقط في منعرج خارطة الطريق الافريقية؟ ألم تكن هذه العيوب ظاهرة للعيان منذ اجتماعات برلين ومن قبلها؟ الجواب الأكثر تفاؤلا ما قال المرحوم عبد الخالق محجوب وهو يراقب القوى الوطنية المناهضة للاستعمار في متاهتها القاهرية، قال عدمت النظرية التي تقابل بها التحدي الاستعماري فلم تر فيه سوى المقابلة بين الأجنبي والوطني وما تبع ذلك من ظلال دينية عقدية أو قومية، وكذلك قوى المعارضة الحزبية اليوم، بما فيها البعث والشيوعي، تناكف المؤتمر الوطني بالغبينة والغيظ تنتظر منه أن يتداعى من تلقاء نفسه بتكاثر الخطوب والعلل أو يصحو من سكرته السلطوية ليفشي الديمقراطية هكذا صدقة وكفارة ويسلم السلطة لمن صبر أطول في انتظارها. جارى كل من البعث والشيوعي خطة “الهبوط الناعم” ثم تحولا عنها تقية، وهذا الجواب الأكثر تشاؤما، وقتما برزت الفوائد المستفادة من التشنيع بها في حسابات الصراع الحزبي الداخلي. يذكر أن قيادة الحزب الشيوعي الحالية اتهمت الشفيع خضر بتسويق “الهبوط الناعم”، وهو الذي فصل نقدا مقروءا لحيثياته ودعى إلى توطين المعارضة في القوى الجماهيرية وصياغة استراتيجية فعالة للتعامل مع المجتمع الدولي لا تنتهي عند ردود الأفعال، إما الإذعان أو الحردان، بل جعلت هذا الاتهام في مقدمة الأسباب التي سوقتها بين عضوية المؤتمر السادس للحزب لفصله. وقتها، أعلنت هذه القيادة الانتصار على “الهبوط الناعم” وجددت رفضها له مرة بعد أخرى بما في ذلك في خطاب سكرتير الحزب في جلسة المؤتمر العلنية، ذات الرجل الذي تولى مهمة تمثيل الحزب الشيوعي في اجتماع برلين “الناعم” وليس الشفيع. 
ها هي ذات القيادة، وقد استقرت في حجر البعث العربي الاشتراكي، تفصل حلفاء الحد الأدنى في قوى الاجماع الوطني بدعوى مجاراتهم للخطة الدولية فماذا حققت؟ انفصلت هي عن غالب القوى المعارضة التي قبلت، بعد لأي أو بغيره، بخارطة الطريق الافريقية، قاعدة التفاوض الجاري، وعزلت نفسها عن الصراع السياسي في صيغته المرعية دبلوماسيا، ورب ضارة نافعة. يمثل هذا التفكك الهزلي لحلف المعارضة، الجبهة الثورية جبهتين، وقوى الاجماع الوطني اجماعين، فرصة لتجاوز تراكيب المعارضة الحالية وقد انقطعت بها السبل. لكن، لم يفتر الناس خارج عالم “زادنا” و”زين” من ابتكار مواعين وطرائق للتعبير عن مناهضتهم للجوهر الرأسمالي لنظام الحكم، تحت قيادة المؤتمر الوطني ورئيسه أو سواهم. كفانا المسطول في النكته السارية تعريف خط الصراع الاجتماعي حين سئل “عايز تعيش وين”، فرد قائلا “في عالم زادنا”، العالم الذي يراه على الشاشات، حلو عامر مبهج نظيف مرطب، وينظر حوله فلا يطيق إليه وصولا. ما قوى سبتمبر ٢٠١٣ التي نهضت للمقاومة وتلكأت الأحزاب إلا مقدمة باكرة للحلف الجماهيري الذي متى استقام وبرز التنظيم السياسي الذي يعبر عن مصالحه الطبقية بقادر على شد ميزان القوى لصالح “فقراء الريف والحضر” في عبارة تقرير مجموعة الأزمات الدولية الساهية. ظلت العقبة التي تلازم عمل المعارضة لعقود التناقض القائم بين القوى الحزبية المدنية والقوى المسلحة، وهو تعبير ملح عن التناقض بين الحضر والريف أو المركز والهامش، ولكل تكنولوجيا خاصة يرجو بها إعادة تركيب السلطة، الانقلاب والحرب الريفية. اجتمعت لشعبنا من التجربة السياسية مع الإثنين ما يزكي الطريق الثالث المهمل، الطريق الذي انقطع مرة وأخرى بجذب الانقلاب بعد ما حاق بقوى اكتوبر تحت قيادة البرجوازية الصغيرة الحضرية، وبجذب العمل المسلح بعد ما برزت ميزاته للبرجوازية الصغيرة الريفية تحت تأثير الحركة الشعبية لتحرير السودان، ذات الطريق الذي بشر به المرحوم عبد الخالق محجوب داعيا إلى العمل الصبور الدؤوب وسط الجماهير ومزاوجة الديمقراطية الليبرالية بالنشاط الثوري للقوى الشعبية. 
كما شهدت التجربة بكساد خطة الانقلاب شهدت كذلك بأن الطريق الحربي إلى الخرطوم قد ينتهي عند كراسي القصر القديم والوزارة مرورا بعاصمة أو أخرى لكنه لا يكاد يهدد تركيب السلطة السياسية والاقتصادية القائمة، سلطة “الصفوة البيروقراطية المتبرجزة” بعبارة المرحوم جون قرنق وإن كان الثمن التقسيم. ذلك لنقص في السياسة الجماهيرية، السياسة التي تحشد القوى الشعبية وتنظمها بما يتفوق على التناقضات الإثنية والمناطقية، أصالة عن نفسها وليس بوكيل حربي. لذا، فأن تسوية قصيرة أو متوسطة المدى للنزاعات الحربية في أرياف البلاد المضطهدة تشكل شرطا لانفتاح الطريق الطويل نحو اعادة تركيب السلطة عبر تحول في ميزان القوى الاجتماعية. إذ لا يمكن تحت شرط الحرب الأهلية الدائرة على رحى التناقضات بين الريف والمدينة مد الجسور اللازمة بين الخاسرين من الطرفين، المضطهدين في الريف والحضر، حيث تظل نضالاتهم المشتركة في جوهرها حبيسة التناقضات الإثنية التي لا تملك القوى المحاربة، إن كان قوى الحكم أو المعارضة، سوى تجذيرها لحشد الدعم الشعبي. تصديق ذلك ما أصاب القوى العسكرية للجبهة الثورية من خسائر عندما حاولت توسيع دائرة الحرب خارج حواضنها الإثنية، وطبيعة القوات التي  وجهها جهاز الحكم لقمع المتظاهرين في سبتمبر ٢٠١٣ ثم أصبحت قوة الردع متعددة المهام التي يستند إليها. من هذا المنظور تبدو دعوة البعث والشيوعي المتكررة للانتفاضة في الخرطوم صورة كاريكاتورية عن عملية سياسية معقدة لن يكتب لها النجاح إلا بمزاوجة هذه التناقضات الثانوية على مستوى التناقض الأولي الذي تفضل المسطول برسم خطه الفاصل، وذلك حلف المساكين الذي جاءت ساعته وغاب سايسه. 

Saturday, 16 July 2016

كده عيب: صيد اللجنة المركزية المر

أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني في ١١ يوليو ٢٠١٦ بعد اجتماع يبدو أنه امتد عبر الليل قرارا بفصل الزميل الشفيع خضر سعيد، عضو اللجنة المركزية وعضو المكتب السياسي، من الحزب بحيثيات جلها تدليس. قالت اللجنة في قرارها أن الشفيع تغيب عن أعمالها وأعمال المكتب السياسي ولجنة العلاقات الخارجية وادعت أنه يهدد سلامة الحزب ثم أخيرا ذكرت ما يثير حفيظتها؛ قالت أن الشفيع خالف رأي الحزب في مسائل فكرية وسياسية ووضع نفسه بذلك خارج إطاره. 
متروك للزميل الشفيع، الذي لا ينقصه البيان، أن يرد بالتفصيل علي مزاعم اللجنة متى رأي ذلك مناسبا. أما القضية المباشرة هنا فهي أن كتلة بعينها داخل اللجنة المركزية، أفصحت عن نفسها في أكثر من موقف، ولا تجد تماسكها سوى في العداء المستميت لتيار تخشى منه المنافسة نصبت الشفيع زعيما له في بلاغات كذوب، قررت أن تسعى في تصفية كوادر الحزب التي تخالفها الرأي بالدعاية السلبية ثم التوقيف وأخيرا الفصل من الحزب. كل ذلك لا تفسير له سوي في سياق رعب هذه الكتلة مما قد يحدث في المؤتمر السادس للحزب المتوقع انعقاده في ٢٨ إلى ٣٠ يوليو ٢٠١٦، أي رعبها من فقدان مواقعها القيادية. 
قال المرحوم عبد الخالق محجوب في سياق الدفاع عن الشيوعيين أمام هجمات قوى دينية معادية للحزب نشرت بين الناس أن الحزب الشيوعي يدعو إلى نبذ الدين أن “الرجل الشريف يحارب الفكرة بالفكرة”. كان أحرى بأعضاء الجنة المركزية المتحمسين لشعاراتهم أن يجعلوا من التحدي الذي وجدوه في أفكار الشفيع المنشورة لكل من يقرأ مناسبة لشحذ أدواتهم النظرية وتجلية أفكارهم وتجميرها، فهكذا يتقدم كل فكر ويتطور.بدلا عن هذا الطريق التقدمي، طريق الفكرة تصارع الفكرة، اختارت هذه الكتلة المعلومة للشيوعيين ولسواهم أن يلاحقوا رفاقهم بالتحقيقات وقرارات العزل والفصل كأن الرأي يجتث بتكميم أفواه أصحابه، ذلك في عصر انقطعت فيه سيطرة المؤسسات مهما كانت سطوتها على التعبير والنشر إلا ما كان طوعا واختيارا. 
إن كان رأي اللجنة المركزية أن الشفيع عزل نفسه عن الحزب فهذه الكتلة المعلومة قد عزلت قيادة الحزب عن جمهوره. بل عزلت الحزب عن قاعدته الشعبية وعن مجريات الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد، حكمت عليه بالجمود كما سبق وحذر المرحوم محمد إبراهيم نقد في سياق مراجعته المقروءة لما طرأ على أفكار ماركس وانجلز. للتغطية على عجزها جعلت هذه الكتلة دثار “الماركسية.. الماركسية” كما يردد ممثلوها في كل مناسبة وبغير مناسبة درعا تصد به كل رأي لا يروق لها، وإن كان موضوعه تغيير ألوان ماكيت الميدان. قد يتساءل سائل لماذا يتطاول نفوذ هذه الكتلة في الحزب الشيوعي ولماذا تجد لها إنصارا بين عضويته الجديدة، رغم متاعبها هذه. جزء من الجواب أنها تعرض سلعة لا تبور، التراث الخالي من التاريخ والعبرة؛ جندت كل طاقتها لتدوير التراث الرمزي للحزب، ماضي عزائمه، أناشيده وصور قادته وإسمه بطبيعة الحال كأنها “حجبات” تقي من التاريخ وغدره، متى تمسك النشأ الشيوعي بها أمن الزمان وتحولاته وقاوم كل بدعة و”ماشين في السكة نمد”. 
سوى هذا الموقف السلفي لم تستطع هذه الكتلة أن تجترح للشيوعيين ما يصلهم فعلا بقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي في البلاد، منتهى اجتهادها تنويعات على الدعوة إلى “إسقاط النظام” أصبحت كالذكر من فرط تكرارها بغير عناية بالتكتيك والاستراتيجية، وتنظيم القوى الاجتماعية ذات المصلحة في تغيير علاقات القوى في البلاد وصف أولوياتها، والسعي الفعال إلى شحذ قوى العمل وتأطيرها ومجابهة التصدعات التي شلت وحدتها قبل أن تنعقد، بما في ذلك التناقضات بين القطاع الإنتاجي وقطاع التوزيع (أو ما درج الحزب على تسميته بالقطاع غير الرسمي أو الهامشي)، بين الريف والحضر، بين المركز والهوامش، بين “أبناء الزبير باشا” في عبارة المرحوم عبد الخالق محجوب والقوميات المضطهدة. 
تركت هذه الكتلة في اللجنة المركزية كل ذلك واختارت من تراث العمل السياسي في البلاد أسهله صنعة وأكثره ضررا، أدارت ظهرها لمهامها النضالية ووجهت سهامها نحو خصوم داخليين، جعلتهم في خيالها سببا لبلاوي الحزب ما ظهر منها وما بطن، وصورت لمناصريها أن الحزب سيصفى معدنه بعزلهم وتنفتح أمام تقدمه السبل. لذا ربما، احتفلت جماعة في الحزب بفصل الزميل الشفيع وهللت كأنما انتصرت على عدو غشيم، قل الامبريالية أو الاستعمار. لا يشغلهم أنهم بسن سنة خبيثة كهذه مدوا للتسلط في الحزب وأجازوا لقيادته أن تطيح بعضوية كل من يخالفها الرأي أو يواجهها بالنقد، بل قد تعزل ذات الكتلة في اللجنة المركزية بعضا من هؤلاء الأنصار بذات الطريقة المعيبة متى رأت منهم مخالفة أو استقلال. 
كان المأمول أن يساعد المؤتمر السادس للحزب وما يتصل به من عمل على تجديد الحياة الداخلية فيه وتطوير تركيبه القيادي. بدلا عن ذلك، استعدت قيادة الحزب المرعوبة لهذا التمرين الديمقراطي بالتخريب ولربما عطلت المؤتمر بالمرة إذا اتضح لها أن كل ما فعلت ليس كاف لاستمرارها. يتوجه الشيوعيون نحو المؤتمر السادس وشاغلهم الأول الشقاق التنظيمي الذي وصل مداه بالعزل والفصل، لكن المهمة الملقاة على عاتق أعضاء المؤتمر المنتخبين أن ينهضوا بحزبهم من هذه الكبوة ويتجاوزوا جحر الضب الخرب هذا إلى آفاق جديدة تتفتح فيها مائة زهرة وتتنافس مائة مدرسة فكرية في حزب يثقف السياسة بالفكر والعمل بالعلم. 
لا يحتاج الزميل الشفيع تزكية من مثلي فهو مناضل أفنى السنين في خدمة القضية التي يؤمن بها متفرغا للعمل السياسي، لكن في هذه الساعة التي استسهل فيها زملاؤه رميه بالتهم الجزافية وجب علي وعلى غيري ممن يعرفون فضله أن يصدحوا بالنصيحة. قد تنتهي رحلة الزميل الشفيع مع الحزب الشيوعي عند هذه المحطة أو قد تتجدد، لا أعلم، لكن مساهمته في قضايا الثورة السودانية، إن كان عمله السياسي أو جهده الفكري، ما نتفق معه فيه وما نختلف،  قائمة لا تلغيها القرارات المكتبية، ومكانته وسط المناضلين من أجل الحرية والديمقراطية والاشتراكية محفوظة لا يطعن فيها التبخيس المجاني. 

Thursday, 2 June 2016

عن المعارضة - حوار مع الرشيد سعيد

https://www.dabangasudan.org/en/milafaat-detail-en/milafaat-sudania-الاستاذ-مجدي-الجزولي

Wednesday, 25 May 2016

Hassan al-Turabi: praying to the state

Death ended Hassan al-Turabi’s long political career last March in the most suitable of places. Hassan collapsed in his office in the headquarters of the Popular Congress Party (PCP) in Khartoum’s upscale Riyadh neighbourhood as he was going about his daily business as party leader. He passed away in Royal Care Hospital, the top private health care facility in Sudan. The physicians treating him broke their Hippocratic oaths sharing details of his clinical condition on social media in apparent glee. In Hassan al-Turabi’s theology, this office death would equate with death on a prayer mat, prostrate in praise of the Lord. It was actually this claim that political action for the good of Islam was a spiritual matter, equal if not superior to actual prayer, that constituted his most significant contribution to the politics of the Muslim Brotherhood. In the mid sixties Hassan al-Turabi led a sectarian split from the Sudanese version of the Muslim Brotherhood, modelled after Egyptian precedent, precisely on these grounds. 
The debate at the time was framed as one between the ‘educationalist’ and the ‘political’ bloc. The first advocated a gradualist transformation of society through the education of individual members to become pious Muslims who could then inspire others. Turabi, on the other hand, was unsatisfied with the inherited notion of piety. A pious Muslim has the duty to face the challenges of the modern world, he argued, and these he located primarily in the nation state and the market. A modern Muslim’s engagement in the struggles of power, politics and business, is a form of ibada meaning servitude to Allah, Turabi opined. The position that Turabi advocated would allow a man like Nafie Ali Nafie, Sudan’s spy chief during the early 1990s, to torture opponents with impunity as a spiritual duty born out of the obligation to defend an Islamic political order. At the time Turabi made these arguments these events were in the distant future, and his reasoning was not only attractive but of epochal consequences. Young Sudanese Muslim men and women, who passed through school and university education and crossed class and racial barriers as they did so moving up social hierarchies, were in search of a way to live out their faith in Islam as well as their baptism in modernity in political terms. Many found Turabi’s reasoning enlightening and empowering. When speaking of this era Turabi fondly recalls that the Islamic Movement of the sixties and seventies was a fraternity of equals with no ‘sheikh’ standing above to dictate decisions, and he his partially true. He only ignores that the Islamic Movement’s inner democracy was a victim of his eminence. He continued to lead the Islamic Movement since that eventful conference in 1964 until he ordered its dissolution in 1989 with pervasive authority. His critics within the Islamic Movement vanished from the scene one by one in defeat. The Islamic Movement was Turabi’s horse as it were. He sacrificed it for the stable of the state. 
In this Khalduniyan cycle of growth and decline, the Islamic Movement under Turabi offered its members, largely young men and women from small town backgrounds, a brotherhood and more important probably a sisterhood of equals. Men from affluent Khartoumian backgrounds like Ghazi al-Attabani fraternised with the Zaghawa Khalil Ibrahim and the Shilluk Mango Ajak under the banner of Islam. The assumed organic unity of faith was far from sufficient to address the deep historical divide between the riverine heartland and the peripheries of the country. Rather, the Islamic Movement proved a catalyser of fissions and the version of Islam it employed to win the state divisive and deadly evolving as an ideology of the state into a punishing racist doctrine of exclusivity rather than the universal challenger of zulm (injustice) that Turabi preached.
Whenever he enraged the state, Turabi could count on the shield of kith and kin to spare him the most rabid reactions of the powerful. As the heir of a Sufi hero married to a granddaughter of the Mahdi, Turabi could pursue his dream of power with remarkable bravado. He knew how to navigate and utilise riverine Sudan’s system of privileges while he railed against it. Turabi was a frequent inmate under Nimayri and under Bashir but his life was too connected to be cut off. Nimayri killed Abd al-Khalig Mahjoub, the former leader of the Communist Party, on accusation of responsibility for the abortive 1971 coup but spared Turabi after the 1976 raid against Khartoum from Libyan bases in which the Islamic Movement was full blown partner.Turabi, a school friend of Nimayri, reaped the benefits of the bloody operation in the form of a reconciliation with the rayes. Mohamed Nur Saad, the officer who led the campaign, was executed and Turabi became a minister. The alliance with Nimayri was crucial to the Islamic Movement’s eventual rise to power in 1989. Bashir incarcerated Turabi several times for alleged ties to the Justice and Equality Movement (JEM) but sat at his deathbed in Royal Care hospital. Khalil Ibrahim, the leader of the JEM and a veteran mujahid, gasped his last breath under a tree close to Wad Banda, North Kordofan, in an airstrike targeting his convoy. 
Turabi argued his way through the contradictions of his political career by claiming that the Islamic Movement was continuously under threat from its adversaries and behind them Western powers intent on extinguishing the very possibility of an Islamic polity. Hence, he reasoned, it was justified to strike the alliance with Nimayri the dictator and US ally, and to carry out a military coup against a parliamentary system in which the Islamic Movement was kingmaker. Turabi’s anti-colonial drive, genuine as it might be, targeted the capture of the state inherited from the colonial order, a mission he did achieve. Beyond that objective, Turabi’s reworking of the state accentuated its coercive and extractive character and did little to domesticate it in favour of the peoples it reigned over. The state he was forced to part with in December 1999 when President Bashir declared a state of emergency and dissolved parliament was an angry beast that wages war as a form of governance and still continues to do so today, not unlike its colonial predecessors. Turabi’s anti-colonialism is more ambivalent than it seems. You could listen to him dismiss Western education as a tool of cultural hegemony in terms a bit more subtle than Boko Haram and brag about his London Masters and Sorbonne doctorate in the same salvo of rhetoric. The sheikh as he came to be known believed in Western modernity but preferred to phrase his belief in an Islamic idiom. 
Abd al-Wahab El-Affendi argued recently that Turabi’s true legacy, the embodiment of his intellectual contribution to Islamic reform, is Ennahda Movement in Tunisia given Turabi’s influence on its leader Rashid al-Ghannoushi. The admired Turabi here is the pan-Islamic champion of freedoms for women, universal shura, arts, sciences and sports; the mufti of modernity who fuses al-Shatibi and Hegel and is ready to challenge centuries of Islamic reaction. A keen disciple might manage to selectively patch together this image of Turabi from his written and spoken record. He actively nursed this image as an oppositionist during an era when ‘political Islam’ was a newly minted brand. Indeed, Turabi enjoyed stellar success with young women from small town Sudan who were seeking to overcome patriarchal barriers to their education and careers without breaking with the social system in which they were embedded. The left’s inability to think the Muslim woman limited the attraction of its agenda for emancipation despite a remarkable record in the 1950’s and 1960s. Turabi picked up where the left appeared handicapped. For a while, the charismatic Dr. Hassan enjoyed the status of a rockstar among women believers in the cause. The hijab which Turabi promoted to replace the cumbersome tob appeared to the cosmopolitan women of upper and middle class Khartoum a detestable symbol of suppression. The aspiring Muslim woman of small town and rural Sudan though found in the hijab a ticket to the opportunities of the capital city and the wider world and a legitimate licence to flout the gender barriers and roles of her upbringing. 
In power, Turabi drew on the human resources that the Islamic Movement provided, the young men and women who looked up to him as a Mahdi of the new age, to cement the power he shared with the military officers of 1989. Rather then reinvent Islam for the lofty emancipatory purposes that El-Affendi claims were inherited by Ennahda, Turabi invested in war as a tool of nation-making. The faithful of the IslamicMovement, the Manshiyya resident cheering behind, flocked to the war fronts in southern Sudan to wage a jihad against their fellow citizens. When his purposes changed Turabi signed a political accord with the Sudan Liberation Army/Movement (SPLA/M) under John Garang, the very enemy he declared a legitimate target of holy war, earning himself several months in prison. Some of the faithful jihad veterans could not stomach the new twist and escaped the harsh realpolitik of the sheikh to the cushion of Sufi spirituality. The core Islamic Movement as such did not recover from the Turabist rollercoaster and is today a hollow structure displaced wholly by the ruling National Congress Party (NCP). Contrary to expectations, the NCP mutated beyond the control of its founder Hassan al-Turabi when his disciples turned against him preferring the shield of power under the command of the military to the trappings of Turabi’s transnational ambitions. The sheikh miscalculated and lost. He pursued a politics of anger for a decade before reversing course once again to become Bashir’s main partner in ‘national dialogue’. Turabi’s PCP rehashed the old argument of imminent threat saying the fate of the Muslim Brotherhood in Egypt informed the decision. Hassan al-Turabi’s legacy, I presume, is not Ennahda whatever his influence was on al-Ghannoushi and his followers but the NCP and the injunction of prayer to the state. 

Monday, 11 April 2016

التغيير الآن.. بيانكم بطرفنا

أصدر الناطق الرسمي باسم الحزب الشيوعي السوداني تصريحا صحفيا عن مداولات اجتماع اللجنة المركزية لحزبه في دورة انعقادها الاستثنائية يومي ٢٥ و٢٦ مارس. ناقشت اللجنة المركزية موضوعات ذات أهمية بالغة نظراً لما كان يدور في الحزب من صراع. لا غرابة أن يثير تقرير اللجنة المركزية  للحزب الشيوعي جدلا ونقاشا واسعاً بين ناشطين سياسيين ومتابعين ومراقبين منذ صدوره. لكن تصريح يوسف حسين أكثر ما أثار حفيظة حركة التغيير الآن التي مستها منه فقرة تحدثت عن ضرورة دراسة حركة التغيير الآن تنظيميا وفكريا. فوق ذلك قالت اللجنة أن الحركة ربما كانت مكانا صحيا لإرضاء طموحات الشباب القيادية لكنها متهمة عندها بالتسبب في ربكة كبيرة أثناء احتجاجات سبتمبر ٢٠١٣ بمحاولة فرضها تنسيقية للثورة على الأحزاب. نبه الحزب في فقرة عامة إلي ضرورة الانتباه بالدراسة والتحليل إلى ظواهر الحركات السياسية الاجتماعية الشبابية ، وهو أمر تأخر كثيراً منذ أحداث الربيع العربي وتغيير بعض الأنظمة في الاقليم بقوة الشباب الطامح إلى حياة جديدة. 
طالما نبه الحزب إلى دراسة وتحليل التغيير الآن التي تجمع بعضا غير قليل من عضويته فالأبواب مفتوحة لمناقشة موضوعات ذات صلة بالتحولات الاجتماعية التي جعلت من الأحزاب القائمة مؤسسات طاردة لطموحات الشباب القيادية، لا شك في ذلك. تأسست حركة التغيير الآن في مايو ٢٠١١ في ظل إحباط سياسي أعقب انتخابات ٢٠١٠ وانفصال الجنوب في يناير ٢٠١١، بعض منه سببه ما أصاب الناشطين الذين انخرطوا في حملة ياسر عرمان الرئاسية - الأمل والتغيير كما سماها - من صدمة بعد انسحابه من السباق، ثم حقيقة استقلال جنوب السودان. انحسرت مع استقلال الجنوب خطة للفوز بالحكم ظلت تراود طائفة من الليبراليين السودانيين منذ الثمانينات آلتها الائتلاف مع القوى المسلحة المناهضة للسلطة في الخرطوم والتبشير بها من مواقع النشاط المدني، وهي خطة تدهورت مع مرور الوقت إلى غرام لا فكاك منه بالمذكرة الفصيحة اللاهجة بحقوق الإنسان للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والبرلمان هذا أو ذاك. 
عرفت التغيير الآن نفسها في ميثاقها الأول في مايو ٢٠١١ بأنها تكونت من مجموعة من “الشباب” شعروا بضرورة وجود جسم وآليات عمل جديدة في الوسط السياسي ، حفزتهم بعد وقت قصير من نكبة الانفصال  ثورات الربيع العربي وما أنجزته من تحولات. عرف الميثاق الحركة بأنها حركة تغيير سياسي واجتماعي انحدرت عضويتها من فصول الدراسة وميادين كرة الدافوري وورش العمل وسقالات الطُلبة، أي سمك لبن تمر هندي بأي مقياس أخذت. واقع الحال، أن الحركة جمعت أصدقاء ومعارف، فهي شبكة اجتماعية إذا صح التقدير يندرج فيها المرء من واقع تجربة مشتركة بل لغة مشتركة حتى، هي تجربة التعليم الجامعي في حضر الخرطوم خلال التسعينات وأول الألفية الجديدة وخطاب المعارضة السياسية في تلك الفترة وأدبها. غير ذلك تعسر على التغيير الآن أن تتسع لمن لم تجتمع عنده هذه المعارف، فبين عضويتها “رطانة” الجامعة مثل رندوك المنطقة الصناعية، لا تفك شفرته إلا بالمعاشرة. لا يقدح هذا في الزمالة بين شباب وشابات التغيير الآن لكنه يقدح في مقدرتها أن تنهض بالمهام التي ألزمت بها نفسها في الميثاق المذكور.
ألزمت الحركة نفسها بأربعة عشر هدفا تبدأ بإسقاط النظام وتفكيك مؤسسات السلطة القائمة إلى معالجة مصاعب المحالين للصالح العام في العام ١٩٨٩، وقت كان أغلب عضوية الحركة في التعليم الأولي. فوق ذلك ألزمت الحركة، التي قالت عن نفسها في موقع آخر أنها غير مشغولة بالفوز بالسلطة، بمجانية التعليم والصحة ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لسياسات الانقاذ متطاولة العهد. في نهاية ميثاقها، قالت الحركة أن البديل الذي تطرح هو سلطة الشعب وآلية الانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي، لكن خجلت أن ترشح نفسها لهذه السلطة، مع علم كتاب الميثاق التام أن سلطة الشعب في الديمقراطية التي يبشرون بها لا تتأتي مباشرة وإنما عبر التفويض النيابي والمداولة الحزبية. على كل، بشرت التغيير الآن بوسيلة الانتخابات وبتحقيق أهداف جليلة عظيمة، لكن “زاغت” من سؤال السلطة بعذر أنها شبابية احتجاجية، أي في هذا السياق لا تقوى على المسؤولية ولا تريدها. 
لا غرو إذن أن الحركة ظلت تعاني من أزمة هوية، وصدر من قادتها ما يؤكد الانشغال بهذه الأزمة، فهي ليست حزب سياسي وهي ليست منظمة طوعية، وربما الأقرب إلى مزاج قادتها أن تكون جماعة ضغط لا يصدر منها صوت تنظيمي وسياسي سوى البيان المطول، مثال ذلك، البيان الذي أصدرت الحركة للرد على تعليقات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. أخذ الحزب في بيانه على الحركة أنها أربكت الشارع السياسي خلال أحداث سبتمبر ٢٠١٣ بدعوتها إلي تنسيقية للثورة، تصور أخذته مباشرة من قاموس الربيع العربي، ففضلت تنسيقية على “منسقية” المعروفة عندنا لدى الدفاع الشعبي والخدمة الوطنية وزاحمت به قوى الإجماع الوطني، حلف المعارضة الرسمية. الواقع،أن الطرفان لم يستطيعا تقديم قيادة يعتد بها لمتظاهري سبتمبر الذين حصدت منهم قوى الأمن أرواح عديدة، فلا التغيير الآن بشبابها ولا قوى الإجماع الوطني بمخضرميها جعلا من قوة المتظاهرين في سبتمبر فعلا سياسيا تتطور به الحركة الجماهيرية، انشغلا بالخصومة على الغنيمة القيادية ودقائق الحضور الإعلامي في القنوات الفضائية دونا عن مسؤولية القيادة في وقت لعلع فيه الرصاص في الحواري يصطاد النفوس. إن كانت قوى الأمن استعدت لمثل هذه الاحتجاجات بعد قرار رفع الدعم بالقوة النارية فالمعارضة رسمية وشبابية سيان تفاجأت بالمتظاهرين واستقبلتهم بالبيانات لا غير، تنسيقية وما إلى ذلك.
تنشد التغيير الآن التعبير عن الشباب الذين فقدوا الأمل في السياسة الحزبية، وهو مسعى يجب أخذه على محمل الجد، فالشباب من الفئة العمرية دون ٣٤ يمثلون ٦٢٪ من سكان البلاد، ربعهم تقريبا يعيشون في مناطق حضرية. تجابه التغيير الآن في هذا المضمار منافسة قوية، أول ذلك من قوى الأمن التي تجند بالآلاف من ذات الفئة العمرية، ثم القوى المسلحة المعارضة للسلطة التي لا قوام لها سوى بالشباب المقاتلين والمليشيات الأهلية التي أصبحت شراكات “ذكية” لكسب العيش وسائل إنتاجها السلاح. لا يكفي إذن أن تميز التغيير الآن نفسها بلحن الشباب إلا في حدود المصاعب التنظيمية التي تجابه عضويتها داخل أحزابها الأم. بذلك، فإن التغيير الآن لم تستطع التعبير عن الشباب كفئة عمرية، كما تنشد، وإنما تمثل في مجملها قناة مواتية لطموحات الساعين إلى الصعود القيادي في أحزابهم لكن انسدت في أوجههم هياكل الأحزاب واجتمعوا على الشكوى منها في منظمة موازية فوق عضويتهم الأولى في منظمات حزبية شتى. 
قالت التغيير الآن في بيانها الذى ردت به على الحزب الشيوعي أنها عقدت مؤخرا مؤتمرا سياسيا “جرى من خلاله تبديل كامل مواقع العمل القيادي وتمت عملية التسليم والتسلم وفق مقتضيات وشرائع الديمقراطية التي نصارع من أجلها ونسقط في سبيلها.” عقدت التغيير الآن فعلا مؤتمرا في فبراير ٢٠١٦ لكن حجبت قيادتها الجديدة كما حجبت من قبل قيادتها القديمة. لم تصدر من مداولات المؤتمر سوى خلاصة عامة إذ حثت الحركة في بيان مؤتمرها على ضرورة التحالف بين القوى ذات المصلحة في التغيير لإسقاط النظام وإقامة البديل الديمقراطي. من يقرأ هذه الخلاصة كأنما يقرأ بيانا لقوى الإجماع الوطني أو الجبهة الثورية (مالك عقار) أو الجبهة الثورية (جبريل إبراهيم) أو قوى المستقبل (غازي صلاح الدين)، لم تضف التغيير الآن ولم تنقص شيئا، ها هي تسعى طريق الكتل السياسية المعلومة لا تحيد عنه. بل ربما كان حزب ميادة سوار الدهب أكثر فعالية في هذا المسلك، وجدت صاحبته لنفسها مقعدا في مقابل الصادق المهدي ثم آخر في جوار غازي صلاح الدين بينما ظل جماعة التغيير الآن على “فيسبوك” يناطحون الغياب فلا شقوا طريقا مستقلا للعمل الجماهيري ينهضون بقوة الشباب كما ينشدون ولا رضوا بمجالس الأحزاب يقاسمونها البيانات. علة ذلك ربما، أن التغيير الآن رغم انتقادها الأحزاب القائمة عدمت وسيلة تقترب بها من جمهور الناس سوى هذه الأحزاب نفسها وها هي تطلب حلفها، كما عدمت تصورا للقوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير (بحسب صيغة البيان). 
لم تنشغل التغيير الآن منذ نشأتها كثيرا ببناء قاعدة شعبية حتى بين الشباب الذين صدحت بهمهم، كما لم تول مسائل التنظيم اهتماما يذكر، لكن ظلت منكبة على مناكفات السياسة العليا، إذا صح التقدير، جاء أمبيكي وذهب أمبيكي، قالت الجبهة الثورية ولم تقل، وأوفدت مناديبها للاجتماع بهذا السفير وذلك وبممثل الخارجية الفلاني ومسؤولة الشؤون الافريقية الفلانية، ولاتثريب. لكن أليس هذا النوع من السياسة هو ذاته الذي خرجت التغيير الآن لتغييره أم أن للصوالين فتنة لا يقدر على مقاومتها حتى أبناء وبنات الحركة الطلابية أخوان وأخوات المرحوم محمد عبد السلام. كان الأمل في التغيير الآن التي تنتصر لسياسة أخرى، تحيا بالناس وليس بالبيانات. إن كان في تعليقات الحزب الشيوعي حول التغيير الآن غرض يتصل بمصاعب قيادة الحزب مع عضويته المنخرطة في الحركة فأن ذلك لا يعفي الحركة من أن تنظر مطولا في المرآة التي رفعها الحزب في وجهها وتقرر ما العمل، ولصالح من؟ الخشية في الواقع، أنه في غياب تحليل للقوى الاجتماعية يرشدها وارتباط تنظيمي بقوى شعبية يلجمها بمسؤوليات نحو جمهور يحاسبها أن تنتهي حركة شاردة مثل التغيير الآن إلى مغامرات مشؤومة كالتي أوقعت “الثوار” المصريين في فخ الانقلاب، من الثورة في ٢٥ يناير إلى الثورة المضادة في ٣٠ يونيو زي الما حصل حاجة. 

عارف الصاوي ومجدي الجزولي 





Thursday, 3 March 2016

محمود ومحمود - غريبان في عالمين

Edward Thomas, Islam’s Perfect Stranger: The Life of Mahmud Muhammad Taha, Muslim Reformer of Sudan, I.B. Tauris, London & New York (2010)

ادوارد توماس «غريب الإسلام الحق: حياة محمود محمود طه، إصلاحي السودان المسلم»، تاورس للنشر، لندن ونيويورك (٢٠١٠)

انعقدت في جامعة الخرطوم يوم ١٨ يناير ندوة في مناسبة ذكرى إعدام شهيد فكره ونضاله الأستاذ محمود محمد طه، أمها طلاب في عشرات قليلة. في ذات اليوم، نجح أعضاء الحزب الجمهوري، عشرات قليلة من النساء والرجال، تحت قيادة الأستاذة أسماء محمود محمد طه، في تسليم مذكرة لوزير العدل مطالبين فيها بإلغاء الحظر المفروض على حزبهم. السلطات التي عرقلت تسليم المذكرة منعت انعقاد ندوة مسائية في جامعة الأحفاد في مناسبة ذكرى إعدام الشيخ الشهيد (١). سوى ذلك، حرمت جهة رسمية على قناة الشروق بث حوار مع الأستاذة أسماء في ذكرى إعدام والدها، ذلك بعد أن بثت القناة في ترويجها للحلقة جانبا من الحوار قالت فيه أسماء أن والدها لم يكن يصلي الأوقات الخمسةمضيفة أنه كان لا يصلي الصلاة ذات الركوع والسجود،وأفادت أنها كانت تعتقد بحصول معجزة تؤدي إلى عدم إعدامه(٢). في ذات المناسبة العام الماضي أوقفت السلطات نشاط مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي بأم درمان وفضت الاحتفال بذكرى الإعدام الثلاثين(٣). 
جاورت ذكرى إعدام الأستاذ محمود، والتي أصبح لها في واقع الأمر تاريخ رسمي إذا جازت العبارة تنعقد فيها السمنارات الأكاديمية في أكثر من جامعة حول العالم ضمن الدراسات الإسلامية والافريقية ويرصدها المدافعون عن حقوق الإنسان، في الأعوام الثلاثة الماضية ذكرى وفاة المرحوم محمود عبد العزيز (الحوت) في ١٧ يناير، وهي في عرف محبيه مناسبة لاستعادة الحوت إلا جسده؛ الحواته مأخوذون بحبيبهم حد التماهي، يحاكون هيئته وزيه وحلاقة ذقنه، فهو بطلهم الحي، بل يقول شعارهم الحوت لا يموت”. اجتمع في مناسبة الذكرى الثالثة هذا العام الآلاف من من الشباب، إناث وذكور، في استاد المريخ مرددين الجان الجان نجم السودان، بثت بي بي سي العربية تقريرا عن الحفل، وانضم للحواتة رجال البوليس في الأستاد، تقاطعت سواعدهم أمام صدورهم بشارة الحواتة المعروفة أمام عدسات الكاميرات.. فهم كذلك حواتة على طريقتهم. شرح ممثل عن الحواتة أنهم حركة اجتماعية ترعى الأيتام والمعاقين والضعفاء من كل نوع انعقدت بينهم زمالة نبيلة في الحق والخير والجمال، تستقي قيمها من بعض أثر الحوت في أنفسهم. والواقع أن الحواتة أفلحوا في التنظيم لمساعيهم حيث فشلت قوى سياسية واجتماعية يشار إليها بالبنان في حشد الناس للعمل الجماعي سوى ما كان تهريجا بالجماهير لا عملا في وسطها كما في العبارة اليسارية الرائجة. استفز الحواتة الرأي المتعلم أيما استفزاز فرد تقدمي في سطوة الدكتور حيدر إبراهيم في مقالة بجريدة الصحافة عام ٢٠١٠ الحوت إلي ما أسماه ثقافة التدين الاستهلاكي المعولمواعتبره نموذجا لالإنسان المهدور، بل اعتبره هدية السماء للنظام الإنقاذي الشمولي الثيوقراطي، سنده في ذلك دراسة لمصطفى حجازي صاحب كتاب «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور»(٤). أنصفه في المقابل الدكتور عبد الله علي إبراهيم الذى عد الحوت رمزا لثقافة صغرى اعتزلت الثقافة الكبرى ذات الاعتبار وترعرع في كنفه جيل اعتزل الحكومة والمعارضة على السواء، وتحرر به من القهر الحكومي ومن حنين المعارضة اليائسة إلى «الزمن الجميل»، فوجد الجيل في الحوت سببا للقول بأن الزمن الجميل ما يزال أمامنا(٥). لم يعدم الحواتة من يكتب جانبا من ثقافتهم الصغرى على وقع سيرة الحوت؛ تصدى لذلك مؤخرا محمد فرح وهبي، الصحفي والإذاعي، في «سارق الضوء:كتابة توثيقية تحليلية عن محمود عبد العزيز». 
حفزني التناقض بين آلاف استاد المريخ في ١٧ يناير وعشرات جامعة الخرطوم في ١٨ منه على مراجعة كتاب الصديق العزيز ادوارد توماس غريب الإسلام الحقعن حياة الأستاذ محمود محمد طه، منتبها هذه المرة إلى الحواجز القائمة بين مشاغل الصفوة صاحبة الثقافة الكبرى من جهة وبين حياة عامة الناس والثقافة الشعبية من جهة أخرى، إلى القنوات الواصلة والمنسدة بين الإثنين وإلى المصاعب التي تكتنف مساعي الصفوة في التبشير بما ترى بين جمهور الناس. لعل مثال الأخوان الجمهوريين يناسب الموضوع من جهة أن الجمهوريين في عصر تمددهم إبان حكم جعفر نميري استنفذوا وسائل الإتصال الجماهيري المتاحة لهم، المنشور والكتيب والمحاضرة العامة، ذلك في ساحة تكاد تخلو من المنافسة السياسية، مستفيدين من حلف غير معلن مع نظام مايو أتاح لهم حرية الدعوة والتنظيم، على الأقل حتى المصالحة الوطنية عام ١٩٧٧ التي عادت بالحركة الإسلامية إلى العمل العلني. بخلاف الحزب الشيوعي، الذي وصمه الأعداء بالإلحاد وظلت تلاحقه دعاوى الغربة الثقافية، توسط السودان جغرافية الجمهوريين العقدية والفكرية، وبالضرورة السياسية، فهو في عبارة الأستاذ محمود مركز دائرة الوجود، حفظت عناية السماء على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء(٦). 
كتب إدي، كما نناديه تحببا لدماثة خلقه وطيب معشره ولين قوله، هذا إلي جانب كونه فوال موهوب تتحول علبة الفول المصري في لندن على يده طلبا مصلحا ينافس به فوالي أم درمان المهرة، كتابه غريب الإسلام الحقمن أصل رسالته للدكتوراة في قسم الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط في جامعة إدنبره. يتصدر الكتاب الحديث النبوي الشريف بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء، حديث يتكرر الاستدلال به عند الأستاذ محمود في الإشارة إلى جاهلية القرن العشرينوالاستعداد لتلقي الرسالة الثانية من الإسلام. يشير إدي في مقدمة كتابه إلى المنافسة داخل الإسلام على الشرعية التي يضفيها هذا الحديث، فهو من مختارات المجموعات الإسلامية المقاتلة، بل هو مفضل عند كل من يريد تحدي المساومة الكبرى بين أقطاب الإسلام السني والقادة السياسيين المسلمين(٧)، المساومة التي تكبت كل احتمال جذري في الإسلام وتحافظ على سلطة الدولة والايديولوجيا الدينية التقليدية. تقصى إدي سيرة الأستاذ محمود من النشأة بين رفاعة وهجليج أول القرن العشرين حتى إعدامه في سجن كوبر بالخرطوم وشمس القرن ترنو نحو المغيب، راصدا الصلات والتقاطعات والانقطاعات ما بين آراء الأستاذ في الإسلام والسودان والتاريخ الذى أحاط بها بما في ذلك قضايا الصراع الطبقي ومعضلات الإثنية والعرق وحواجز الكتابة بالتعارض مع الشفاهة وتحولات الهجرة بل حتى المعمار والنكات. في ذلك، لم يكتف إدي بالبحث في تراث الأستاذ من أعمال مكتوبة ومحاضرات مسجلة أو بالمقابلات العديدة التي أجراها مع معاصريه وتلاميذه بل قلب حتى المقررات المدرسية واستعان بكتاب البروفسير حامد أحمد ضرار عن العادات الغذائية في السودان وتحولاتها(٨)، على سبيل المثال كسرة الذرة المحلية (طعام العوام) ورغيف القمح المستورد (طعام الصفوة)، لفهم العالم الذي عاش فيه الأستاذ محمود فشكل منه وبثه آراءه. 
كفرت محكمة المهلاوي الأستاذ محمود وقضت بإعدامه في يناير ١٩٨٥ لكن للتكفير في السودان تاريخ، فهو من عتاد «الإصلاح» الديني. كلما نهضت دعوة للبعث الديني احتاجت مقاييس جديدة لتعريف ما هو «صحيح» إسلاميا ونشأت فرصة لدمغ المسلمين من المناوئين الذين يتأخرون عن التصديق بالكفر. بالدرجة الأولى، اتخذ مسلمون ومسيحيون من تجار الرقيق حقيقة أن الجنوبيين ليسوا مسلمين مبررا لاسترقاقهم. غير ذلك، دخل التكفير عاملا في الصراع السياسي بين الطرق الصوفية؛ كفر الختمية المجذوبية لمعارضتهم الحكم التركي. كما كان التكفير فاعلا في مناهضة الاستعمار فالإمام المهدي كفر الحكام الأتراك ومن والاهم. خلص إدي إلى أن التكفير سلاح ايديولوجي يتيح فرض استقطاب اجتماعي بغرض حشد الدعم لمجهودات بناء الدولة الإسلامية. استعان الإمام المهدي بالتكفير لبناء حركة وطنية تناهض الختمية التي كانت توالي الحكم التركي وعارضت المهدية منذ البداية. قضت قيادة الختمية كامل الفترة المهدية في المنفى المصري وجازى الانجليز السيد علي باكرا على وفائه حيث نال لقب فارس عام ١٩١٥ بينما لم ينل السيد عبد الرحمن اللقب حتى ١٩٢٦(٩). لم يتأخر حكام السودان الانجليز عن الاستفادة من ذات المورد، أي خدمة السياسة بالدين. ذيل ونجت باشا منشورات أسقطتها طائرات سلاح الجوي الملكي البريطاني على الفاشر ضمن الحملة العسكرية لإخضاع سلطنة الفور عام ١٩١٦ تطالب السكان بالاستسلام مقابل أمان الله ورسولهبالآية الكريمة: ﴿فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾(١٠). 
ولد الأستاذ محمود عام ١٩٠٩ في بيئة وسط السودان النيلي، وقتها كانت قد نضجت التحولات التاريخية في القرن التاسع عشر التي ارتبطت بموجبها السلطة والثروة بمجموعات بعينها. رَكَّبت هذه المجموعات من الإسلام والعروبة هوية سودانية متصلة بنشأة الدولة المركزية، في مقابل مستبعدين لغاتهم «رطانة» وأديانهم «كفر» غلبتهم الدولة ونخبها وأصبحوا فرائس لغزوات الاسترقاق . شكل الرقيق قوة العمل الغالبة في الإنتاج الزراعي لصالح الأقسام المالكة للأرض من هذه المجموعات. تطابق امتياز من هم داخل الدولة في مقابل من هم خارجها مع الحرية في مقابل العبودية. ظهرت هذه الدولة في صور شتى غير الجهاز البيروقراطي المركزي فهي شركة دولية للاسترقاق تنشر الشريعة (التركية) وقابلة لنهاية العالم (المهدية)، ما قاد الانجليز لتصورهم الخاطئ أن السودان كتلة فوضوية من القبائل لم تنشأ بينها دولة يعتد بها. كان الانقسام الرئيس في البيئة التي نشأ فيها الأستاذ محمود بين الأحرار والأرقاء، انقسام اجتماعي ساهمت في استقراره تفسيرات للشريعة الإسلامية راجت في القرن التاسع عشر. تراخى الانجليز في تحرير الرقيق بينما حفزوا التحول الحاسم نحو ملكية الأرض الفردية وتسليعها، تحول بدأت إرهاصاته من قبل التركية بسند من الشريعة في مقابل العرف، كون الشريعة الإسلامية تُفضِّل الملكية الفردية وتُعجِّل من تقسيم الأرض عبر قواعد الإرث(١١). لذلك، ازداد في واقع الأمر عدد الرقيق في رفاعة أول عهد الاستعمار الانجليزي، بنسبة عشرة في المائة بين العام ١٩٠٥ والعام ١٩١٢ حيث بلغ العدد ٥٣١١ نفس، استجابة لزيادة الطلب على قوة عمل الرقيق في الزراعة، حتى استبدال الرقيق بالعمل المأجور مع التحول إلى الزراعة النقدية. 
واجه الأستاذ محمود شريعة الملكية الفردية هذه، إذا صح التقدير، والمقصود التصور المدرسي للشريعة الإسلامية التي اتخذتها الدولة الاستعمارية دينا لها. كما دولة الحكم التركي المصري من قبلها اعتمدت دولة الاستعمار البريطاني سياسة «شرعية» مركزية يقوم عليها مجلس علماء مستورد من مصر ومفتي دولة على رأس شبكة من المحاكم الشرعية التي انحصر تفويضها في الأحوال الشخصية والميراث. تصور الانجليز الشريعة المدرسية ترياقا مضادا لظاهرة «الفكي الثوري» على غرار المهدي واستهدفوا بها السودان الشمالي النيلي. بذلك، شكلت الشريعة المدرسية المسنودة بسلطة الدولة المركزية عنصرا حداثيا، يضاف تعزيزها إلى مهام «الحضارة»، في مقابل الأعراف «القبلية» التي خضعت لها أرياف السودان البعيدة تحت سيطرة الإدارات الأهلية وهرب منها نساؤها طلبا لنصرة الشريعة(١٢). اعتبر محمود مامداني هذه القسمة السلطوية بين مجال استعماري خاضع لقانون معلوم يميز بين مواطنين بأعراقهم ومجال أهلي خاضع لسيطرة إدارات محلية تميز بين رعايا بإثنياتهم عمادا لتكنولوجيا الحكم الاستعماري التي عرفها بمفهوم بالاستبداد اللامركزي(١٣). 
احتمى الأستاذ محمود عقديا بالأولياء الصالحين من شيوخ الطرق الصوفية، أحياء وأموات، ولقد احتفظ كما يبدو بمودة نحو السيد علي الميرغني والختمية لم تصدر منه مثلها نحو الأنصار والسيد عبد الرحمن المهدي، وفي ذلك ظل ربما للمقابلةبين شريعة الإلهام والأسرار الفردية التي حبذها الأستاذ والشريعة المركزية التي جدد بها الإمام المهدي الدين من أجل الدولة. تشكك الأستاذ في نوايا السيد عبد الرحمن الملكيةالمزعومة وأزعجه نزوعه نحو السلطة واستغلاله عمل الأنصار في المشاريع الزراعية التي منحته إياها الإدارة الاستعمارية. أسقط الأستاذ تهمة الاستغلال عن السيد علي، رغم تورطه العميق في الاقتصاد الاستعماري وتمثيله مصالح النخبة التجارية، بل رأى فيه متصوفا حقيقيا هجر الثروة الشخصية لكن وقع ضحية لنجاح النظام الطائفي. زار الأستاذ محمود السيد علي برفقة أمين محمد صديق عام ١٩٤٥، وتوسط السيد علي لاحقا لصالح الأستاذ طالبا من الإدارة الاستعمارية الإفراج عنه بعد إدانته وآخرين في أحداث رفاعة عام ١٩٤٦. لم تقبل الحكومة وساطة السيد علي، وظل الأستاذ في محبسه الذي صار له خلوة، خرج منها وقد اكتشف أسرار ذاته، واستقر عنده الاعتقاد أن التحرر الوطني والتحول السياسي الذي كان ينشده للسودان يبدأ بالتحول الفردي على طريق البعث الديني. بهذا فارق الأستاذ سكة سياسية مستقلة في مناهضة الاستعمار وطلب النهضة الوطنية كان اجترحها للحزب الجمهوري، على خلاف جمهور الخريجين الذين وجدوا ضالتهم السياسية في حلف المؤسسة التقليدية وظل السيدين.
كان حزب الأستاذ، الحزب الجمهوري، طرفا من أطراف الحركة الوطنية الساعية للاستقلال.نشأت الحركة الوطنية ضيقة الإطار تجمع في الغالب الأعم قوى حضرية ذات تجربة في أساليب عمل الدولة الاستعمارية. كان عدد المستخدمين في منشآت ومشاريع الاقتصاد الاستعماري عشية الاستقلال، ومن بينهم المهندس محمود محمد طه، حوالي نصف مليون شخص من مجموع سكان قدره حوالي عشرة ملايين شخص، لكن بلغت مساهمة هذا القطاع الاقتصادية أكثر من نصف الثروة النقدية في البلاد. منذ ذلك الحين، والانقسام بين حضر السودان وريفه سمة بارزه لاقتصاد البلاد السياسي. استهجن الأستاذ محمود وجماعة حزبه خيار الملكية، إن كان تحت حكم فاروق ملك مصر كما كانت دعوة الأشقاء أو تحت حكم السيد عبد الرحمن، ولذا افترعوا اسم حزبهم من الجمهورية. تبدو وثيقة الحزب الجمهوري التأسيسية، «السفر الأول»، لمن يطلع عليها اليوم محاولة أولى للكتابة لمؤلف يتلمس طريقه تقرأ فيها: “نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة، إلى فجر حياة جديد، على هدى من الدين الإسلامي، وبرشد من الفحولة العربية، وبسبب من التكوين الشرقي، ولسنا ندعو، أول ما ندعو، إلى شئ، أكثر ولا أقل، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي، وما ندع من أمورنا… إن الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الاستقلال كغاية في ذاته، وإنما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية..” (١٤). 
إن اتفق الأستاذ محمود مع غالب الحركة الوطنية على أولوية الإسلام والعروبة في النهضة بالسودان المستقل فقد استنكر التنازع بين أطرافها وانقسام ولائها بين الطائفتين كما صده اعتمادها المساومة في التعامل مع الإدارة الاستعمارية والمذكرة وسيلة للعمل السياسي بدلا عن النشاط الجماهيري. كغيره من قادة الحركة الوطنية، فات على الأستاذ محمود التمييز الضروري بين السودان كما يبدو من شرفة مدرسة حضرية وواقع المجتمعات السودانية المتنوعة في الأرياف النائية فرشح لها جميعا هدى الدين الإسلاميورشد الفحولة العربيةكمشروع حضاري. تساءل الأستاذ لماذا، عندما ولدت الحركة السياسية في المؤتمر (مؤتمر الخريجين) اتجهت إلى الحكومة تقدم لها المذكرات تلو المذكرات ولم تتجه إلى الشعب، تجمعه، وتنيره، وتثيره لقضيته؟؟ ولماذا قامت عندنا الأحزاب أولا ثم جاءت مبادؤها أخيرا؟؟ ولماذا جاءت هذه المبادئ، حيث جاءت مختلفة عن الوسائل مختلفة في الغايات؟؟(١٥)
بينما اتخذ قادة الحركة الوطنية مساومة المذكرات طريقا للفوز بالدولة اتجه الجمهوريون تحت قيادة الأستاذ نحو الميادين العامة ودور السينما والنوادي والقهاوي، يبشرون بدعوتهم بالمنشور والخطابة والكتابة الصحفية. استقر هذا الطابع الجماهيري لدعوة الجمهوريين منهجا لهم وتطور لاحقا حتى بلغ مداه في نشاطهم كحركة بعث ديني. على خلاف الكثير من أقرانه، أبناء كلية غردون، كان الأستاذ على استعداد للتضحية من أجل أهدافه السياسية. التقط البوليس منشورات مناهضة للاستعمار أصدرها الحزب الجمهوري في مارس ١٩٤٥ وجرت محاكمة الأستاذ محمود بصفته رئيس الحزب لكنه فضل السجن على الغرامة. قدرت شعبة الاستخبارات وقتها عدد أعضاء الحزب الجمهوري بمائة شخص. رفض الأستاذ في سجنه الأول هذا عقوبة الشغل باعتباره سجين سياسي كما رفض الوقوف تحية للضباط البريطانيين فعاقبه سجانوه بالحبس الانفرادي ووجبات من الرغيف والماء فقط. قضى الأستاذ من عقوبة العام التي قضت بها المحكمة خمسين يوما فقط إذ قرر السكرتير الإداري العفو غير المشروط عنه في خضم حملةقادتها جريدة الرأي العام لإطلاق سراحه. 
بلغ نشاط الحزب الجمهوري في مناهضة الاستعمار أوجه في حادثة رفاعة عام ١٩٤٦، حيث نظم الحزب حركة شعبية لمناهضة القانون الذي جرمت بموجبه السلطات الاستعمارية ختان الإناث. اعتقد الجمهوريون أن الإدارة الاستعمارية إنما شرعت هذا القانون لتصوير السودانيين رعاعا لم يبلغوا بعد رشد الاستقلال. قاوم الجمهوريون القانون ليس دفاعا عن ختان الإناث الذي عارضوه كسواهم من الحداثيين لكنهم احتجوا أن ممارسة كهذه لا يمكن اقتلاعها من المجتمع بوسيلة القانون بل بالتعليم. اعتقلت السلطات في رفاعة في سبتمبر ١٩٤٦ منين بت حكيم وحكم عليها ر. ديك، مفتش المركز، بالحبس أربعة أشهر عقابا لها على ختان ابنتها فايزه عمسيب (التي صارت فيما بعد ممثلة معروفة). كان الأستاذ وقتها في رفاعة وقد خرج للتو منتصرا من سجنه الأول. صعد الأستاذ المنبر في جامع المدينة ودعى المصلين إلى الجهادضد القانون ثم قاد الجمع إلى المركز فحرر المتظاهرون بت حكيم لكن أعاد قريب لها من رجال البوليس اعتقالها وسلمها عبد الله أبو سن، شيخ الشكرية، الذي حبسها بدوره في الحصاحيصا. 
قاد الأستاذ في اليوم التالي مظاهرة من ألف شخص أو يزيد قاصدين مبنى المركز في الحصاحيصا وانضم إليهم تلاميذ المدارس من بينهم حسن الترابي الصبي. وصل المتظاهرون مركز الحصاحيصا وأخذوا يرشقون المبنى بالحجارة، بل توعدوا، بحسب رواية عبد الرحمن علي الشيخ، المفتش ديك بالقتل. فوق ذلك، هدد علي الشيخ، أحد أعيان رفاعة ووالد عبد الرحمن، بختان زوجة المفتش، تهديد ترجمه الأستاذ محمود لأسماع المفتش المفزوع. خاف ديك على حياته، وفقا لمذكرات ونفريد جونسون، زوجة مفتش بريطاني في مشروع الجزيرة، ونصح زائرين بريطانيين في داره، بالهرب من رفاعة. حرر المتظاهرون منين للمرة الثانية فاستدعت السلطات قوة من الجنود النوبا من ود مدني، بافتراض أنهم لن يترددوا في إطلاق النار علي المتظاهرين «العرب» متى صدرت لهم الأوامر. قال عبد الرحمن علي الشيخ أن الأستاذ محمود قاد متظاهرين مسلحين بالعصي والسيوف وكذلك البنادق إلي المركز يهتفون «الموت الموت أو الشهادة». أطلق الجنود النار على المتظاهرين على انخفاض فأصيب العديدون. تصدى للمتظاهرين ناظر الشكرية، عبد الكريم أبو سن، وفاوضهم حتى أقنعهم بالتراجع. 
اعتقلت السلطات الأستاذ محمود وأخاه مختار وآخرين وتم حبسهم في الحصاحيصا فسكنت المظاهرات مباشرة. جرت محاكمة المعتقلين الستة عشر في أكتوبر في ود مدني أمام القاضي محمد أحمد أبو رنات، أول رئيس سوداني للقضاء، من اشتهر عند البعض بلقب الانجليزي الأسودلمهادنته الانجليز. رفض الأستاذ محمود الدفاع عن نفسه وعاقبه أبو رنات بالسجن عامين بعد إدانته بإثارة الكراهية ضد الحكومة. فقد رجال الأمن الاهتمام بالحزب الجمهوري بعد حبس رئيسه، لكن اهتمام الصحف بحملة الأستاذ ومصيره اتصل خلال أكتوبر. كتب عبد الوهاب زين العابدين، زعيم الشيوعيين وقتها، كلمة في الدفاع عن الأستاذ محمود فاستدعاه البوليس لتفسير موقفه لكنه تراجع بحسب زعم المحققين البريطانيين. إن كان واضحا للجمهوريين أن مقاومتهم لقانون الختان لم تكن انتصارا لهذه الممارسة فإن هذا الموقف التبس على الكثيرين الذين خرجوا للتظاهر دفاعا عن الختان والشرف حتى أن محمد المهدي المجذوب وصف الأستاذ محمود بأنه مناضل عربي من أجل الشرف (الجنسي) والدين”. انتهز الأستاذ الفرصة التي أتاحتها حادثة رفاعة لقيادة مبادرة لمقاومة الاستعمار أثارت فزع الإدارة الاستعمارية أكثر من تكتيكات الأفندية كونها اتصلت بالقوة الريفية في تحد لسيطرة الإدارة الأهلية ورغما عنها. للمقارنة، عندما أعلن قائد الحركة الوطنية الكينية، جومو كنياتا، معارضته لقانون بريطاني يجرم الختان في الثلاثينات قفزت عضوية منظمته من ٣٠٠ إلى ١٠ آلاف عضو. 
استمرت خلوة الأستاذ محمود التي بدأها في السجن بعد خروجه منه في ١٩٤٨ فاعتكف في رفاعة ثلاث سنوات أخرى حتى نال الأصالةالتي اعتبرها محطة نحو مقام روحي أعلى، ووصل إلى اعتقاد أن مهمته الأولى ليست مقاومة الانجليز في العالم الماثل وإنما تطهير نفسه عبر رحلة داخلية سبق ورصد محطاتها المتصوفة الكبار من قبله. انشغل الأستاذ محمود منذ ذلك الوقت بقضية إصلاح الشريعة الإسلامية لتتصدى لتحديات الدولة الحديثة والعالم الحديث لكن بخلاف الحركات الإسلامية دعى ضمن تحريره الشريعة إلى إسقاط بعض عناصرها كلية، كما اعتقد أن الإصلاح والتحديث والنهضة تتحقق عبر إصلاح وتحديث ونهضة فرد واحد متى صارت حقيقة انقلب العالم رأسا على عقب. تحدى الأستاذ محمود السجن كمكان لكبت أعداء الدولة السياسيين لكن لم يعن له أن السجن مؤسسة تقع عند الطرف الجارح لمجتمع طبقي، مكان يتم فيه تكوين وإعادة إنتاج النزوع الإجرامي المنسوب للطبقة الاجتماعية الأدنى. اتخذ الأستاذ محمود عراقي الدمورية لباسا له مثله وأدنى المسجونين ليس لتحدي التقسيم الطبقي وإنما إشارة لزهد طوعي في العالم، الزهد الذي كان يمتدحه عند السيد علي، الثري الذي ينام على عنقريب بسيط بلا فرش أو وسادة. جدد الأستاذ محمود هذا الزهد في سنوات لاحقة وجعل له معنى اجتماعيا بخلاف معانيه الروحية فدعى إلى إعادة تقسيم الثروة، لكن لم يتصل هذا الميل «الاشتراكي» ليصبح تحليلا اقتصاديا للتركيب الطبقي والسلطة في السودان، كما جدد صلاته بالسيد علي الذي زاره مرة أخرى في ١٩٦٢ يعرض عليه أفكاره في تطوير الشريعة.
أعاد الأستاذ محمود نشاط الحزب الجمهوري بعد خلوته الطويلة لكن هذه المرة كجماعة همها التربية والبعث الديني الذي اعتبره الترياق المضاد لانقسامات الحركة الوطنية ولما تنقطع طموحاته السياسية. رشح الأستاذ محمود الحضارة الإسلامية لتصبح كتلة ثالثة في مقابل المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي لكن احتفظ بشك في جدارة مواطنيه من عامة المسلمين في القيام بهذه المهمةفكتب ضمن مناقشة للديمقراطية: “.. فإذا ما أردنا الديمقراطية حقا فقد وجب أن نميز المعرفة ونحترمها وأن نميز العارفين ونحترمهم ووجب لذلك أن نجعل حق الانتخاب لا يناله إلا المواطن الحائز علي حظ خاص من العلم وحق الترشيح لا يناله إلا المواطن الحائز على حظ أخص، ثم استدرك على أن نجعل كدنا توسيع هاتين الدائرتين حتى تشمل أولاهما كل مواطن ومواطنة وحتى تشمل ثانيتهما أكبر عدد ممكن من المواطنين رجالا ونساءا على السواء(١٦). من الصعب دحض الصلة الايديولوجية بين شك الأستاذ محمود في كفاءة غمار الناس من غير الصفوة المتعلمة للديمقراطية والحلف غير المعلن الذي ربطه والجمهوريين في مراحل لاحقة بنظام مايو القابض باعتباره ديكتاتورية حميدة عصفت بالنظام الطائفي.
في سياق متصل، خالف الأستاذ محمود عموم الحركة الوطنية بدعوته إلى لا مركزية الحكم وترتيبات دستورية تعطي سلطات واسعة لبرلمانات ولائية في ولايات خمس (الجنوبية والغربية والشمالية والشرقية والوسطى) بما في ذلك سلطة حل البرلمان المركزي، لكنه وافق أغلب معاصريه في امتناعه عن مجابهة الفروقات الشاسعة التي نجمت عن التحولات الدموية في القرن التاسع عشر بين وسط السودان النيلي وأقاليمه الغربية والجنوبية. اقترح الأستاذ محمود في دستوره برلمانا مركزيا مكونا من مجلس واحد نيابي يكون ممثلا لولايات السودان الخمس فيه (ولو مؤقتا) ممثل واحد لكل ٢٠٠ ألف مواطن في الولايتين الغربية والجنوبية وممثل واحد لكل ١٥٠ ألف مواطن في الولايتين الشرقية والشمالية، وممثل واحد لكل ٥٠ ألف مواطن في الولاية الوسطى(١٧). قارن هذه الاقتراحات بنسب التمثيل في انتخابات العام ١٩٥٣: نائب برلماني لكل ١٢٦.٥٠٠ مواطن في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية؛ نائب لكل ١٣٤.٠٠٠ مواطن في كردفان ودارفور؛ نائب لكل ٨٤.٤٠٣ مواطن في وسط وشرق السودان. استبعد الأستاذ محمود أواخر الخمسينات من قاموسه الفكري الفحولة العربيةبل وصم حركة القومية العربية الطاغية تحت قيادة جمال عبد الناصر بالعنصرية وبشر بإسلام كوني بديلا عن العصبية الإثنية. لم يجد هذا التحول ترجمة في انشغال مواز بتركيب التراتبية العرقية الماثلة في السودان وقد استعرت الحرب الأهلية في الجنوب وبرزت إلى الحياة السياسية بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤ قوى عبرت عن مظالم القوميات المضطهدة. 
كمحيطه الحضري عاش الأستاذ محمود في عالم غير عالم مؤتمر البجا ومنظمة سوني ومقاتلي الأنانيا، وانشغل كأغلب معاصريه بقضايا الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وليس الجنوب، فخصص لذلك كتابا عن العرب واليهود والسوفييت والغرب حوى نقدا شرسا لسياسات جمال عبد الناصر وزعامته، المتهم عند الأستاذ محمود بخدمة الشيوعية الماركسية والاتحاد السوفييتي(١٨). سوى أن الأستاذ عارض مشروع الدستور الإسلامي الذي طرحته جبهة الميثاق والقوى المتحالفة معها في كتابه الصادر عام ١٩٦٨ «الدستور الإسلامي؟ نعم..ولا!!» حجته أن الشريعة التي ينادي بها الإسلاميون لا تسع تنوع السودان الديني. ناصر الأستاذ في هذا الخصوص موقف الأب فيليب عباس غبوش الذي تساءل إن كان بإمكان مواطن سوداني غير مسلم تسنم المنصب الأعلى في دولة يحكمها دستور إسلامي. تجاهل دعاة الدستور الإسلامي ومعارضيه بمن فيهم الجمهوريون أن غالب السودانيين خارج المحيط الحضري، الذي اشتد فيه التنافس على طبيعة الدولة ودستورها، كانوا يخضعون لأعراف المحاكم الأهلية، بالكاد تمسهم تغييرات الشريعة أو القانون المدني. في الواقع، تردد موقف الجمهوريين بين رفض علماني للدستور الإسلامي وقبول إسلامي بأهمية الدين في الدولة والمجتمع وقادهم انشغالهم بالفقه القانوني إلي تجاهل واقع الممارسة العدلية في أرياف السودان رغم مواجهتهم الباكرة مع الإدارة الأهلية في حادثة رفاعة(١٩). رد إدي هذا الموقف إلى التراث الذي استند عليه الأستاذ محمود في تصوره للتنوع القانوني والثقافي في السودان، أي الاصطلاحات الإسلامية ذات الجذر في المراكز الحضرية العثمانية، حيث لا يرد ذكر كريم المعتقدات غير الكتابية. 
أراد الأستاذ محمود إعادة تدوير الشريعة من موقع المتصوف وكذلك السياسي الوطني. كمتصوف، اجتهد الأستاذ في تخريج صيغة من الشريعة تربط الحاضر بمستقبل يوتوبي (مثالي)، وكسياسي وطني كان همه اجتراح ايديولوجيا شاملة بديلة لبلاد تستبعد أنظمتها السياسية والاجتماعية الكثير من مواطنيها. استتبعت هذه المواجهة مع الدولة العربية المسلمة في السودان مواجهة ايديولوجيا سياسية طاغية وكذلك تراث روحي يعزز الامتثال لقوانين وقيم يعتبرها الكثيرون ثوابت غير قابلة للتبديل. بشر الأستاذ محمود برتق الفروقات بين الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، والمسلمين غير المسلمين، لكن لم يعتمد تحريره الجديد للشريعة على تحليل للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد بل على منطق قانوني مجرد حيث انتخب من تراث الفقه الإسلامي(٢٠) ما يناسب غرضه وربط ذلك بتصورات للتطور التاريخي من تراث التنوير الأوروبي وشذرات ماركسية، فالقانون عند الأستاذ محمود لا يستبطن علاقات القوة في المجتمع(٢١) وإنما هو صيغة للتعبير عن الذات المتدرجة من الشر إلى الخير. لا غرو إذن أن انحصر أغلب أتباع الأستاذ في صفوة المتعلمين أنصار التحديث الذين وجدوا في دعوته طريقة مبتكرة لعيش هويتهم الإسلامية في بلاد مرتبطة عاطفيا بالتصوف الإسلامي وساءهم أن يروا هذه الهوية تُستغل لقهر مجموعات مهمشة.
قابل الأستاذ محمود انقلاب مايو ١٩٦٩ بغير أسف على انهيار سلطة الأحزاب الطائفية وجبهة الميثاق الإسلامي. رأى في الانقلاب مثل الكثيرين من الصفوة البيروقراطية، ضربة ثانية لثورة أكتوبر، فحل حزبه طائعا. من ثم، تحول الحزب الجمهوري إلى «الأخوان الجمهوريون» وانتقل نشاطه من دار الحزب في الموردة إلى منزل الأستاذ في الثورة. أحجم الأستاذ محمود عن انتقاد قمع نظام مايو الدموي للأنصار والشيوعيين رغم أنه سبق وعارض حل الحزب الشيوعي عام ١٩٦٥، لكنه احتفظ بمسافة بينه والنظام الجديد ورفض الانضمام للاتحاد الاشتراكي، حزب نميري الواحد. استفاد الأستاذ من أساليب التنظيم والقيم الموروثة عن الطرق الصوفية، الذكر الجماعي والدار المفتوح والكرم والزهد والكاريزما والأعمال الخيرية، لبعث حركة اجتماعية جديدة بهيكل سلطوي يماثل هياكل الطرق الصوفية، سوى أنه لم يعتمد الكرامات لجذب الأتباع من كل شاكلة ولون بل كان ينشد من مريديه المتعلمين الاقتناع الفكري. ساعدت قواعد دخلية مثل الامتناع عن الصلاة في المساجد والامتناع عن الحج على تعزيز التماسك الداخلي للطريقة الجديدة، ومكنت الجمهوريين من الانقطاع عن حياة أسرهم الدينية وبناء هوية حضرية خاصة بهم وشبكة جديدة من العلاقات خارج إطار الأسرة والسوق والدولة. حال هرم الحركة دون استيعاب محمد خير المحيسي الذي زعم «الأصالة» مثله والأستاذ إذ لم يكن ليسع أصيلين إثنين. 
بينما كان الشيوعيون والأخوان المسلمون يبحثون عن أصدقاء في الجيش تحول الأستاذ محمود إلى ناسك زاهد، عاف أكل اللحم، وأخذ يتفكر في حقوق الحيوان، فتساءل، بحسب رواية الباقر العفيف: “ما الفرق بين بف باف والرشاش؟توقع الأستاذ محمود من الجمهوريين زهدا مماثلا. لم ينشط الأخوان في جمع المال والقليل الذي تيسر لهم من مساهمات المهنيين منهم وعائد الكتب كان الأستاذ يوزعه على المساكين تعبدا. كما لم تسع الحركة أصيلا غير الأستاذ لم تسع كذلك هؤلاء المساكين وطغى عليها المتعلمون. لم ينشغل الأخوان بتنظيم غمار الناس الفقراء وأصحاب الحاجة من أجل التغيير عبر نضال جماعي. لعب الأستاذ في هذا الخصوص دورا مماثلا لدور شيخ الطريقة الصغيرة معتمدا على شبكة الجمهوريين لمد المحتاجين الذين يطرقون بابه بالمال وبالخدمات اللازمة، إن كان عيادة طبيب أو استشارة محامي. على خلاف شيوخ الطرق، لم يشجع الأستاذ محمود المساكين، وسيلة العبادة، على الانضمام للحركة أو الاقرار بعقيدته الدينية. بهذا المعنى، كانت ردة فعل الأستاذ محمود التلقائية وغير المنظمة على الفقر في السودان وسيلة لإيصال رسالة روحية وليس محاولة لإعادة تركيب علاقات القوة الاقتصادية لصالح غمار الناس، فالصدقة والزهد وسائل لبلوغ الكمال الذاتى وليس التجنيد للنضال الجماعي. 
جابت فرق الجمهوريين أرياف السودان للتبليغ بدعوتهم بما في ذلك الجنوب لكن تكوين الحركة ظل على صفويته. قدر حيدر بدوي صادق في رسالته للماجستير (١٩٨٨)، وهي مسح اجتماعي قام به وسط الجمهوريين عام ١٩٨٧، أن غالبيتهم كانت من المهنيين (٨٦٪) دون الأربعين من العمر (٨٦٪) ومن وسط السودان (٧٥٪). شكل خريجو الجامعات حوالي ٣٧.٥٪ من العضوية ونال الأغلبية (٥٤.٥٪) حصة ما من التعليم بينما لم تزد نسبة الأميين على ٨٪. استنتج صادق أن قاعدة الجمهوريين الاجتماعية تركزت في الطبقات الوسطى من المجتمع السوداني. كان هم الجمهوريين في سياحتهم التبليغ فحسب وقاوموا فكرة أن لدى الناس الذين أرادوا تبليغهم الإسلام الجديد ما ينفع لخوض حوار من طرفين على سنة الشعار اليساري «من الجماهير وإليها.. نتعلم منها ونعلمها». عبر عبد الله النعيم لصديقنا إدي عن نقد للبعثات الجمهورية إلى الأرياف فقال أنه يراها من موقعه اليوم سالبة، استعمارية، أسلوب مسلم يرى في الإسلام جوابا لكل شئ ويظن عنده المفتاح لفهم الإسلام”. 
في غضون ذلك تعزز موقف الأستاذ محمود الداعم لنظام مايو رغم تضييق جهاز أمن الدولة على حريته في التعبير بمنعه من الخطابة عام ١٩٧٣، إذ ظل على رأيه أن ديكتاتورية نميري حميدة ما دامت تكبت الطائفية. يشف ذلك من عنوان بيان الجمهوريين عام ١٩٧٥ «الطائفيه تتآمر على الشعب» الذي صدر في أجواء الانقلاب الفاشل الذي قاده المقدم حسن حسين ووصمه نميري بالعنصرية واستبق محاولة الجبهة الوطنية الإطاحة بالنظام عبر عملية عسكرية من ليبيا عام ١٩٧٦. وافق الجمهوريون نظام مايو في وصف حملة الجبهة الوطنية بالغزو الأجنبي واجتهدوا في الهجوم على الصادق المهدي خاصة بعد المصالحة الوطنية عام ١٩٧٧ بكتاب تصدرته الآيتين الكريمتين: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (١١) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾(٢٢). أصدر الجمهوريون كتابا في الرد على المصالحة الوطنية تضمن رسالة بعثوا بها إلي نميري يحذرونه من تآمر الطائفية وينصحونه بأن تشمل المصالحة الحزب الشيوعي، لم يزعجهم عدم اكتراثهم السابق بقمع الشيوعيين في عقابيل انقلاب ١٩٧١. نشأت في أعقاب المصالحة الوطنية البنوك الأسلامية بتمويل غزير من المملكة العربية السعودية وتحت إدارة كادر الحركة الإسلامية وسيطرت بحلول العام ١٩٨١ على كامل أرباح رؤوس الأموال في السودان. على سبيل المثال، سيطر بنك فيصل وحده على ٣٠٪ من رأس المال التجاري في البلاد. بطبيعة الحال، لم تكن ثمة مساحة للتقارب بين الجمهوريين والسعودية الوهابية. أدانت رابطة العالم الإسلامي، ومقرها مكة الكرمة، في العام ١٩٧٥ االأستاذ محمود وطالبت بإعدامه كمرتد. في رد فعل، هاجم الجمهوريون السعودية وأمراءها والتبشير السلفي الذي تبثه(٢٣) لكن لم يرق ذلك لنظام جعفر نميري الذي كان استقطاب رأس المال السعودي مقدما لديه على مصاعب الجمهوريين فاعتقلت السلطات في يناير ١٩٧٧ الأستاذ محمود وثمانية آخرين من الجمهوريين في بادرة تقدير لآل سعود. لم تهز هذه الحادثة ثقة الجمهوريين في نظام مايو لكنها كانت إشارة للنفوذ المتزايد لرأس المال العربي في السياسة السودانية وبداية مواجهة ممتدة مع الحركة الإسلامية المتحفزة للسيطرة. 
عطل الجمهوريون بعثاتهم الريفية ونشاطهم الدعوي في شوارع العاصمة ليركزوا كل جهدهم على مقابلة تحدي الحركة الإسلامية فأصدروا في مارس عام ١٩٨٣ دراسة تفصيلية عن بنك فيصل حاولوا فيها دحض إسلاميته وكشف ضلوعه في تمويل الحركة الإسلامية(٢٤). الواقع، أن رونيو الجمهوريين، على جودة معدنه، لم يكن باستطاعته مجابهة الآلة التنظيمية للحركة الإسلامية بمواردها المالية والبشرية وجاذبيتها السياسية. انغرس الإسلاميون عميقا في جهاز الدولة وفي الجيش كذلك. لكن ظل الأستاذ محمود ممتنعا عن انتقاد جعفر نميري وقد تجددت الحرب الأهلية في الجنوب جراء سياساته وتجرع الناس الذل من المجاعة والفقر، حجته أن وحده نميري قادر على حماية البلاد من تغول الإسلاميين. تحول الأستاذ محمود، من جُبل على معارضة السلطة، في خريف عمره إلى موال لها. ذهب الجمهوريون بعيدا في دفاعهم عن نظام مايو فهاجموا حملات الشيوعيين الاحتجاجية على زيادات الأسعار التي فرضها صندوق النقد الدولي في أوئل الثمانينات كما زعموا على استحياء أن قرار نميري تقسيم الجنوب ونقض اتفاقية أديس أبابا للسلام (١٩٧٢) وجد مساندة غالبية سكان الجنوب ودعوا الجنوبيين إلى حل خلافاتهم داخل لجنة حكومية للنظر في القضية(٢٥).
لم يعدم الأستاذ محمود المنتقدين عن قرب. كتب إليه صديقه جرجس اسكندر في أواخر السبعينات خطابا يتهمه فيه بتضليل أتباعه إذ يعدهم بالجنة. هاجم اسكندر أساليب الأستاذ محمود الدعائية ورفضه التام للمؤسسة الدينية كما اتهمه باستغلال المحاكم كمنابر للدعاية السياسية وانتقد علاقته بنظام مايو واعتماده التبشير كوسيلة للتغيير الاجتماعي، وسيلة قال اسكندر أنها تهدد السلم الاجتماعي. انعزل الجمهوريون عن وقائع الحياة وانغمسوا في غنوصية دينية من جهة ومقارعة شرسة مع الحركة الإسلامية من جهة أخرى(٢٦). توالت زيادات الأسعار الناجمة عن تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على السودان واشتدت الضائقة المعيشية فانسحب الأخوان إلى مزيد من التجريد الديني. خرجوا للناس في عيد الميلاد عام ١٩٨٠ بكتيب عنوانه «عودة المسيح» على غلافه نجمة داؤود(٢٧). زادت عجلة تدهور قيمة الجنيه في العام ١٩٨٢ فقلصت الحكومة دعم السلع الغذائية مرة أخرى لتتجدد المظاهرات، بينما انكب الجمهوريون على تفسير إعلان الأستاذ محمود أن الأصالة ما زالت متاحة للكل لكنه يعتقد أنها لن تتحقق سوى لشخص واحد في هذه الحياة. ناقش الجمهوريون قضية «الإنسان الكامل» وساعة وصوله باستفاضة ثم طرحوا على الناس المشغولين بأسعار الرغيف كتابهم «التقليد!! والأصيل!! والأصلاء!!»(٢٨). تحول الأستاذ محمود، كما يبدو، من الانشغال بالقانون إلى الانشغال بالأسرار ، بينما خلت الساحة سياسيا للحركة الإسلامية، الحامل الناهض لطموحات البرجوازية الصغيرة السياسية والاقتصادية. 
ظل الجمهوريون على خطة الرونيو بينما انتقل أعداؤهم إلى شاشة التلفزيون الذي بلغ انتشاره ١٠٠ ألف جهاز في البلاد عام ١٩٨٣. برزت هذه المنافسة غير المتكافئة في شخص الفقيه المصري والأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية محمد نجيب المطيعي. شن المطيعي، المقرب من عمر محمد الطيب وإمام مسجده، من شاشة التلفزيون حملة شعواء على الجمهوريين وكذلك المسيحيين والطرق الصوفية. أحل المطيعي دماء الجمهوريين فردوا بكتاب انتقدوا فيه إحجام رئيس جهاز أمن الدولة عن حمايتهم(٢٩). عاقب عمر محمد الطيب الجمهوريين بمصادرة كتبهم وأدوات الطباعة خاصتهم كما شن حملة اعتقالات طالت الأخوان والأخوات في العاصمة والمدن الكبري بمن فيهم الأستاذ محمود في مايو ١٩٨٣. انضم إلي الأستاذ محمود في المعتقل خصم الجمهوريين الصادق المهدي الذي اعتقلته السلطات لمعارضته قوانين سبتمبر. عرض نميري على الأستاذ محمود والأخوات الجمهوريات الحرية في بداية ١٩٨٤ لكن الأستاذ رفض العرض ما لم يفرج نميري عن الجمهوريين كافة. أصدر الجمهوريون خارج أسوار السجن كتيبا عن قوانين سبتمبر، ربما كان أحد محاولاتهم النادرة تقصي المعضلات الاجتماعية التي يعانيها مستضعفي السودان. ناقش «الموقف السياسي الراهن» قضايا «ستات العرقي» وأسعار الذرة والبغاء والقرى الجائعة في دارفور وتناقص حقوق الجنوبيين في السودان الإسلامي(٣٠). 
أطلق نميري سراح الصادق المهدي في ديسمبر ١٩٨٤ ثم أطلق سراح الأستاذ محمود بعد وساطة كان رسلها ضباط سابقين في جهاز الأمن، محمد علي مالك وعبد الله الدابي، اعتنقا الفكر الجمهوري في منتصف السبعينات. أذعن عمر محمد الطيب لشرط الأستاذ محمود وحرر جميع الجمهوريين المعتقلين في ١٩ ديسمبر. استشعر الضابطان مؤامرة قيد الطبخ يريد عمر محمد الطيب النأي بنفسه عنها.عاد الجمهوريون إلى نشاطهم المعتاد يقود الأستاذ حلقاتهم في الميادين العامة ثم أصدروا في عيد الميلاد عام 1984 منشورهم «هذا أو الطوفان». دعى البيان في اقتضاب سهل إلى إلغاء قوانين سبتمبر ووضع حد للحرب في الجنوب وبعث الإسلام عبر التعليم دون غوص في معان صوفية بعيدة. احتفل الجمهوريون بأعياد الاستقلال وفي الرابع من يناير ١٩٨٥ أجرى الأستاذ آخر مقابلة صحفية له (مع مجلة الجامعة). تحدث الأستاذ عن النظام الرئاسي والنظام البرلماني، عن البنوك الإسلامية وعن الحركة الوطنية ثم عاد في ليلته تلك إلى المعاني الصوفية التي نهل منها الأخوان في المعتقلات. ذَكَّر الأستاذ محمود الجمهوريين بقدرة الأولياء الصالحين علي فداء الناس من البلاء. قال لهم: مات السيد الحسن (الميرغني) بالطاعون فتوقف المرض، ومات في ١٩١٥ الشيخ طه بالسحائي الذي انتشر في رفاعة فتوقف المرض. يحكي المتصوفة هذه القصص لكن يجد العلمانيون صعوبة في استيعابها. جاء دوركم الآن لتنقذوا الشعب السوداني من الإذلال والقهر الذي حل بهم. اعتقل رجال أمن الدولة الأستاذ محمود محمد طه، متصوف كهل مريض بالسكر، في الخامس من يناير فعبر بثقة العارفين بالله من قسم بوليس في أم درمان إلي عدالة المهلاوي ثم المكاشفي طه الكباشي وأحمد محجوب حاج نور ومحمد سر الختم إلي سجن كوبر، ومن ساحة السجن إلى رحمة عزيز مقتدر في صباح ١٨ يناير ١٩٨٥ دون أن تهتز له قصبة. لم يسع الدولة أن يجد الأستاذ محمود مرقدا معلوما في التراب. صعدت بجثمانه هيلوكوبتر حكومية إلى الأعلى ودفنه من دفنه في مكان مجهول غرب أم درمان. 
بينما كان قضاة الاستئناف ينافحون عن العقيدة «الصحيحة» أغار الجوع على بطون ما لا يقل عن ١٠ ملايين شخص في أرياف السودان، نزح ما لا يقل عن نصف مليون منهم إلى أطراف العاصمة التي استغل تجارها المجاعة للمضاربة في أسعاز الذرة بتمويل سخي من البنوك الإسلامية. غطت وحدة المعلومات في جريدة الايكونومست البريطانية نبأ إعدام الأستاذ محمود ومآلاته بكثافة. جاء في تقرير الايكونومست أن الستة عشر شهرا التي سبقت إعدام الأستاذ محمود شهدت تنفيذ حكم قطع اليد على أكثر من سبعين شخص عقابا على السرقة، بينما شهدت الأربعة أشهر ما بعد الإعدام حتى سقوط نظام نميري تنفيذ الحكم على شخصين فقط. تحفزت النقابات والاتحادات المهنية للقضاء على حكم نميري بعد أن صعق النظام الناس بإعدام شيخ في آخر عمره ذنبه الفكر. حتى الولايات المتحدة، تعسر عليها الدفاع عن جور نميري. ظن نميري أن في استبداده شطارة وأنه يستعرض قوته عبر الإطاحة بخصم ضعيف، لكن الأستاذ محمود، من خلف حجاب قبره، كسر شوكة الديكتاتور. 
فدى الأستاذ محمود شعبه من طغيان نميري لكن خسر الأخوان الجمهوريون معركتهم مع الحركة الإسلامية. فاز الإسلاميون، عبر تحالف جمع رجال البنوك وضباط الجيش، بالدولة عام ١٩٨٩ وجددوا حكم الشريعة ضمن مشروعهم الحضاري الذي قاومه «صعلوك» نبيل مثل محمود عبد العزيز على طريقته. اعتمد الأستاذ محمود مصادر لمقاومة الدولة العربية المسلمة من تراث الفقه والتصوف الإسلامي لا طاقة لأغلب السودانيين على إدراك دقائقها. ظل تركيزه منصبا على السياسة الخرطومية والمتعلمين الجامعيين وغابت عن ناظره موارد الثورة السودانية في الأرياف التي عد أميتها الكتابية جهلا في اقتراحاته الدستورية الباكرة. نافح الأستاذ عن حقوق النساء وغير المسلمين لكن تعذر عليه وعلى الجمهوريين توطين مشروعهم لتثوير الشريعة الإسلامية في تحليل لعلاقات القوى الاجتماعية في البلاد، بل قادهم حسن ظنهم بجهاز الدولة وقدرته على إحداث التحولات التي ينشدون إلى موالاة دولة نميري الباطشة فجردتهم آخر الأمر من كل حول وقوة. كان الأستاذ محمود ينشد الكمال في الإنسان لكن لم تتسع حركته الاجتماعية للمستضعفين، المذنبين مهما فعلوا، استقبلتهم كأصحاب حاجات وليس كفاعلين أكفاء تنهض بهم ومعهم لتغيير الحياة المادية سكن المنافع الروحية. في هذا المعنى، لن يضر الاستاذة أسماء وصحبها التأمل في المورد الروحي الذي يمثله «الحوت» للآلاف الذين اجتمعوا في استاد المريخ يوم ١٧ يناير لإحياء مأثرته، أما كتاب صديقنا إدي فقد يساعد في فهم هذه الهوة بين ندوة جامعة الخرطوم وكونسرت الجان نجم السودان. 

المصادر

1 سودان تربيون، ١٨ يناير ٢٠١٦
2 سودان تربيون، ٢٤ يناير ٢٠١٦
سودان تربيون، ١٨ يناير ٢٠١٥
4 حيدر إبراهيم، محمود عبد العزيز ونظرية الهدر الإنساني، موقع الراكوبة ٢٣ سبتمبر ٢٠١٠
5 عبد الله علي إبراهيم، الحوت.. ما قبل الربيع السوداني، موقع الجزيرة ٣ مايو ٢٠١٣
6 محمود محمد طه وأحمد لطفي السيد، التربية بين السياسة والعلم أيضا، جريدة الشعب ٢٧ يناير ١٩٥١ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
7 حول المساومة الكبرى راجع
Wael B. Hallaq, The origins and evolution of Islamic law, Cambridge University Press, Cambridge, 2005
8 راجع
Hamid A. Dirar, The indigenous fermented foods of the Sudan: a study in African food and nutrition, Wallingford, 1993
9 في
Gabriel R. Warburg, Islam, sectarianism and politics in Sudan since the Mahdiyya, Hurst, London, 2003 , p.90
F.R. Wingate, SAD.128/3/82  10 
https://www.dur.ac.uk/library/asc/projects/woodsudan/exhibition/sudan_war/proclamation2/
11 راجع
Jay Spaulding, the Heroic Age in Sinnar, Red Sea Press, 2007
12 يستعرض الدكتور عبد الله علي ابراهيم في الفصل الثاني من كتابه هذيان مانويالعلاقة بين محاكم الشريعة والمحاكم الأهلية التي نشأت بموجب قانون الحكم غير المباشر أواخر العشرينات ويعتبرها مثالا صارخا لاستضعاف المحاكم الشرعية، راجع
Abdullahi Ali Ibrahim, Manichaean delirium: decolonising the judiciary and Islamic renewal in Sudan, 1898 - 1985, 2008, p. 115 - 165
13 راجع
Mahmoud Mamdani, Citizen and subject: contemporary Africa and the legacy of late colonialism, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1996
14 الحزب الجمهوري، السفر الأول، أكتوبر ١٩٤٥ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
15 المصدر السابق
16 محمود محمد طه، قل ھذه سبيلي، ١٩٥٢ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
17 محمود محمد طه، أسس دستور السودان، ١٩٦٨ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
18 محمود محمد طه، مشكلة الشرق الأوسط، ١٩٦٧ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
19 للمقارنة راجع مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية (يناير ١٩٦٥ ) التي بين فيها خلقها الاستعماري ودعى إلى حلها استجابة لمطلب شعبي. في عبد الله علي ابراهيم، مذكرة الشفيع أحمد الشيخ عن الإدارة الأهلية ( ١٩٦٥ ): إلا شقي الحال يقع في القيد، منشور في سودانايل، ٣ يونيو ٢٠٠٩
20 راجع
Wael B. Hallaq, A history of Islamic legal theories, Cambridge University Press, Cambridge, 2009
21 راجع
Hugh Collins, Marxism and Law, Oxford University Press, Oxford, 1996
22 الأخوان الجمهورين، الصادق المهدي!! والقيادة الملهمة!! والحق المقدس؟!، ١٩٧٨ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
23 الأخوان الجمهوريون، اسمهم الوهابية وليس اسمهم أنصار السنة، ١٩٧٦ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
24 الأخوان الجمهوريون، بنك فيصل الإسلامي؟!، ١٩٨٣ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
25 الأخوان الجمهوريون، أطفئوا نار الفتنة: حول حوادث الساعة، ١٩٨٢
26 الأخوان الجمهوريون، هؤلاء هم الأخوان المسلمون (في جزئين)، 1978 ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
27 الأخوان الجمهوريون، عودة المسيح، ١٩٨٠ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
28 الأخوان الجمهوريون، التقليد!! والأصيل!! والأصلاء!!، ١٩٨٢ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
29 الأخوان الجمهوريون، الهوس الديني يثير الفتنة ليصل إلى السلطة، ١٩٨٣ ، منشور في موقع الفكرة الجمهورية
30 الأخوان الجمهوريون، الموقف السياسي الراهن، ١٩٨٤

 
Creative Commons Licence
This work by Magdi El Gizouli is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.